روايه قهر الايام الفصل الاول
رواية: قهر الأيام
الفصل الأول: ليلة غيرت كل شيء
كانت الساعة بتقرب من اتناشر بليل، والمدينة كلها غرقانة في هدوء غريب، الهدوء اللي يخليك تحس إن في حاجة مستخبية في الضلمة مستنية اللحظة المناسبة عشان تظهر.
وقف آدم على سطح البيت القديم، ماسك كوب شاي بارد من كتر ما نسيه في إيده. كان عنده أربعة وعشرين سنة، طويل، شعره أسود منكوش، ووشه رغم ابتسامته الدائمة كان شايل تعب سنين.
من تحت، طلع صوت صاحبه زياد وهو بيزعق:
"يا عم آدم! هتبات فوق ولا هتنزل تاكل؟ أمك بتقول الأكل برد."
رد آدم وهو بيضحك: "قولها الأكل بيستنى الرجالة."
سمع صوت والدته من الشباك: "رجالة إيه يا ابن بطني؟ انزل قبل ما القطط تاكل العشا."
ابتسم ونزل السلم بسرعة.
البيت كان صغير، لكنه مليان دفا. أبوه، الحاج حسن، كان قاعد بيصلح ساعة قديمة، ووالدته بتحط الأكل على السفرة، وأخته الصغيرة ليلى بتحاول تسرق حتة فراخ قبل الكل.
أول ما آدم قعد، بصتله ليلى وقالت: "لو خدت آخر قطعة فراخ، هخاصمك أسبوع."
ضحك وقال: "أنا أخوكي الكبير، من حقي آخد اتنين."
ردت بسرعة: "ده على أساس إنك بتصرف علينا!"
انفجروا كلهم في الضحك، حتى الحاج حسن رفع عينه من الساعة وقال: "البيت ده لو الضحك بيتباع، كنا بقينا مليونيرات."
لكن الضحكة دي ما طولتش.
فجأة...
انطفأت الكهرباء.
سكت الكل.
قالت الأم: "يمكن قطع عادي."
لكن آدم حس بحاجة غريبة.
خرج للبلكونة.
الشارع كله كان ضلمة... إلا بيت واحد في آخر الحارة.
كان منور.
نور أبيض شديد، كأنه خارج من الأرض نفسها.
وفجأة...
ظهر شخص لابس عباءة سودا واقف قدام البيت المنور.
واقف من غير ما يتحرك.
ومن غير ما يرفع راسه.
غمغم آدم: "هو مين ده؟"
في اللحظة دي...
لف الشخص ناحيته ببطء.
رغم المسافة البعيدة...
آدم حس إنه بيبصله هو.
وبعدين...
اختفى.
كأنه عمره ما كان موجود.
رجع آدم لجوه وهو بيحاول يقنع نفسه إنه بيتخيل.
لكن بعد أقل من دقيقة...
سمعوا خبط على الباب.
خبطات تقيلة...
ثلاث مرات.
الحاج حسن قام يفتح.
ملقاش حد.
بس كان في صندوق خشب صغير على العتبة.
مقفول بقفل حديد.
ومربوط عليه ورقة مكتوب فيها بخط قديم:
"لا تفتح الصندوق... إلا إذا كنت مستعد تعرف الحقيقة."
سادت لحظة صمت.
ليلى همست: "يمكن مقلب."
زياد، اللي كان لسه داخل البيت، ضحك وقال: "يا سلام! أول مرة أشوف المقالب بتتغلف في صندوق."
لكن الحاج حسن...
وشه اتغير.
وشحب.
إيده بدأت ترتعش.
بص للصندوق كأنه شاف شبح من الماضي.
وقال بصوت منخفض:
"مين... عرف يوصل لحد هنا؟"
آدم استغرب.
"إنت تعرف الصندوق ده؟"
الأب مردش.
شال الصندوق بسرعة، ودخل أوضته وقفّل الباب بالمفتاح.
أول مرة في حياة آدم يشوف أبوه بالشكل ده.
خايف...
ومرتبك.
بعد نص ساعة، خرج الحاج حسن من الأوضة.
الصندوق اختفى.
وكأنهم ما شافوهوش أصلًا.
قال بابتسامة مصطنعة: "انسوا اللي حصل."
لكن آدم كان متأكد...
إن اللي حصل مستحيل يتنسي.
في نص الليل، صحي على صوت باب البيت بيتفتح بهدوء.
خرج من أوضته من غير صوت.
لقى أبوه لابس هدومه، وماسك شنطة قديمة، وبيخرج من البيت.
قرر يمشي وراه.
كان الشارع فاضي.
الحاج حسن كان ماشي بسرعة، وكأنه حافظ الطريق.
لحد ما وصل عند البيت المنور اللي شافه من فوق السطح.
لكن النور...
كان اختفى.
فضل الأب واقف قدام باب البيت، وخبط ثلاث خبطات بنفس الترتيب اللي سمعوه على بابهم.
الباب اتفتح لوحده.
من غير ما يظهر أي حد.
دخل الحاج حسن.
وقبل ما الباب يقفل...
جرى آدم ولحق يبص من فتحة صغيرة.
اللي شافه خلا قلبه يقف.
الصندوق الخشبي كان موجود في نص الأوضة...
وحواليه خمس أشخاص لابسين نفس العباءة السودا...
وكلهم كانوا بيبصوا ناحية أبوه.
واحد منهم قال بصوت هادئ لكنه مرعب:
"اتأخرت عشرين سنة يا حسن...
ودلوقتي جه وقت الوفاء بالعهد."
اتسعت عيون آدم.
"عهد؟! عهد إيه؟"
لكن قبل ما يسمع أي كلمة تانية...
حس بحد واقف وراه.
اتجمد مكانه.
وقبل ما يلف...
سمع صوت هامس جنب ودنه يقول:
"لو عايز تعيش...
متبصش وراك."
نهاية الفصل الأول.