مصباح آخر الشارع

مصباح آخر الشارع

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

مصباح آخر الشارع

image about مصباح آخر الشارع

كان " هيثم " شابًا في أواخر العشرينيات، يعمل في شركة خاصة، ويعود إلى منزله كل يوم مساء  بعد يوم طويل من العمل. كان يفضل دائمًا أن يمشي من شارع هادئًا بعيدًا عن الزحام، يمتد على جانبيه عدد من الأشجار القديمة، وينتهي بمصباح إنارة يقف وحيدًا في آخر الطريق.

في كل ليلة تقريبًا، كان يرى رجلًا مسنًا يجلس على مقعد خشبي أسفل ذلك المصباح. لم يكن الرجل يتحدث مع أحد، ولم يكن يطلب المساعدة أو المال، بل كان يكتفي بالنظر إلى المارة بابتسامة هادئة ثم يعود للتأمل في الطريق.

مرّت الأيام، وأصبح وجود الرجل جزءًا من المشهد اليومي بالنسبة إلى هيثم، لكنه لم يفكر يومًا في التحدث معه. كان يكتفي بإلقاء التحية من بعيد، فيرد الرجل بابتسامة صادقة تحمل الكثير من الود.

وفي إحدى الليالي، هطلت الأمطار بغزارة، ولاحظ هيثم أن الرجل لا يزال جالسًا في مكانه رغم البرد الشديد. شعر بالقلق، فتوقف واقترب منه وسأله إن كان بحاجة إلى أي مساعدة.

ابتسم الرجل وقال: “أنا بخير يا بني، فقط أنتظر ابني.”

استغرب هيثم وسأله: “وهل يأتي كل يوم؟”

أجاب الرجل بصوت هادئ: “كان قد وعدني منذ سنوات أن يمر من هذا الطريق إذا عاد من السفر. ومنذ ذلك الوقت وأنا أجلس هنا كل يوم مساء، لعل الوعد يتحقق.”

تأثر هيثم كثيرًا بكلامه، لكنه لم يشأ أن يزيد حزنه، فاكتفى بالجلوس معه بضع دقائق قبل أن يغادر.

ومنذ ذلك اليوم، أصبح يشتري كوبًا من الشاي الدافئ كل مساء، ويجلس مع الرجل لبعض الوقت. لم تكن بينهما أحاديث طويلة، لكن وجود شخص يستمع إليه كان كافيًا ليمنح الرجل شعورًا بأنه لم يعد وحيدًا.

بدأ هيثم يعرف الكثير عن حياته. علم أنه كان معلمًا للأجيال، وأنه ربّى أبناءه بكل حب، لكن ظروف الحياة فرّقت بينهم، وسافر ابنه الوحيد إلى الخارج منذ سنوات طويلة، وانقطعت أخباره تدريجيًا.

وذات مساء، لم يجد هيثم الرجل في مكانه المعتاد. شعر بقلق شديد، فسأل أصحاب المحال القريبة، فأخبروه أن الرجل تعرض لوعكة صحية ونُقل إلى المستشفى.

ذهب إليه في اليوم التالي، وما إن رآه الرجل حتى ارتسمت على وجهه ابتسامة واسعة وقال: “كنت أعلم أنك ستأتي.”

جلس بجواره لساعات، وساعده في إنهاء بعض الإجراءات، ثم ظل يزوره حتى تعافى وخرج من المستشفى.

بعد أسابيع، وبينما كان هيثم يجلس معه في المكان نفسه، توقفت سيارة أمامهما، ونزل منها رجل في الأربعينيات من عمره. اقترب بخطوات مترددة، ثم احتضن الرجل المسن وهو يبكي.

كان الابن قد عاد أخيرًا بعد سنوات طويلة من الغربة، وبعد بحث شاق عن والده. أخبرهما أنه لم يكن يعلم مكانه بسبب انتقاله من منزله القديم، حتى دله أحد سكان الحي على المقعد الموجود أسفل مصباح آخر الشارع.

نظر الأب إلى هيثم وقال أمام ابنه: “لو لم يكن هذا الشاب يزورني كل يوم، لما استطعت أن أتحمل كل هذه السنوات.”

ابتسم الابن وشكر هيثم بحرارة، مؤكدًا أن المعروف الحقيقي لا يُقاس بحجمه، بل بالأثر الذي يتركه في قلوب الناس.

عاد هيثم  إلى منزله تلك الليلة وهو يشعر بسعادة لم يمنحه إياها أي نجاح في عمله أو أي مكافأة مالية. لقد أدرك أن الإنسان قد يغيّر حياة شخص آخر بكلمة طيبة، أو جلسة قصيرة، أو سؤال صادق عن حاله.

ومنذ ذلك اليوم، كلما مرّ بجوار مصباح آخر الشارع، تذكر أن الخير لا يحتاج إلى ثروة، ولا إلى قوة، بل يحتاج فقط إلى إنسان يقرر أن يهتم بغيره.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Reem Ibrahim تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-