حين يجمعنا القدر في يوم ممطر
الرجل الذي ترك مظلته ورحل

لقاء كتبه القدر ما بين المطر والقدر
في ذلك المساء، كانت نور تظن أن أكبر مشكلة ستواجهها هي أن تنسى مظلتها.لم تكن تعرف أن رجلًا غريبًا سيترك لها مظلته ويرحل…
وأنها ستقضي الأيام التالية تحاول معرفة من يكون.
بدأ كل شيء برسالة من أختها."انزلي بسرعة، أنا تحت البيت."
نظرت نور إلى الهاتف باستغراب.
كتبت:"في إيه؟"جاء الرد بعد ثوانٍ:"هتعرفي لما تنزلي.
تنهدت نور وهي ترتدي معطفها.
كانت تعرف أن أختها لا تحب أن تشرح شيئًا عبر الهاتف، فقررت أن تنزل دون المزيد من الأسئلة.
وبمجرد أن فتحت باب المنزل، فوجئت بالمطر يهطل بغزارة.
نظرت إلى السماء وقالت:
"عظيم... توقيت ممتاز."
لكن أختها كانت تنتظرها بالفعل داخل السيارة.
ركبت نور وهي تضحك:
"ممكن أعرف إحنا رايحين فين؟"
قالت أختها:
"مكان هتحبيه."
"ولو مطعم غريب، أنا راجعة."
ضحكت أختها:
"اطمني."
بعد وقت قصير، توقفت السيارة أمام مقهى أنيق يطل على النيل.
دخلتا وجلسـتا بجوار النافذة، وبدأتا في الحديث والضحك، حتى شعرت نور أن اختيار أختها للمكان كان موفقًا بالفعل.
لكن أثناء حديثهما، لاحظت نور رجلًا يجلس بمفرده بالقرب من الباب.
لم يكن يحاول لفت الانتباه.
على العكس، كان يبدو منشغلًا بشيء في هاتفه، يرتدي ملابس بسيطة، لكن ملامحه كانت توحي بأنه شخص اعتاد أن يلاحظ كل شيء من حوله.
كان ياسين.ضابط في أواخر الثلاثينات.
جاء إلى المكان بعد انتهاء عمله، وكان ينوي أن يشرب قهوته سريعًا ثم يغادر.لكن خطته تغيرت عندما بدأت الأمطار تشتد.
نهض ليغلق المظلة الموجودة عند مدخل المكان، وفي اللحظة نفسها كانت نور تتجه إلى الباب بعد أن أخبرتها أختها أن السيارة تنتظر بالخارج.
فتحت نور الباب...ثم توقفت. المطر كان أقوى مما توقعت. قالت بضيق:"أنا كده مش هعرف أوصل للعربية."
كان ياسين يقف خلفها. قال بهدوء:"خدي دي."نظرت إليه.كان يحمل مظلته.
قالت:"وأنت؟"ابتسم:"أنا العربية بتاعتي قريبة."ترددت نور:"بس..." قاطعها:"خديها، قبل ما تتبلّي."
أخذت المظلة وهي تبتسم:"شكرًا."قال:"العفو."
خرجت نور، ثم التفتت بعد خطوات.
كان الرجل قد عاد إلى الداخل.
رفعت المظلة فوق رأسها، ونظرت إليها للحظة.كانت مظلة سوداء عادية.لكنها لم تكن تعرف أن هذا الشيء البسيط سيصبح السبب في لقائهما مرة أخرى.
في اليوم التالي، عادت نور إلى المقهى.كانت تحمل المظلة في يدها.قالت لأختها:"أنا لازم أرجعها."ابتسمت أختها:
"ممكن ترجعيها في أي وقت."
"لا، أنا مش بحب آخد حاجة من حد."دخلت نور وسألت الموظف:"لو سمحت، الراجل اللي كان هنا امبارح... اللي ساب المظلة دي، تعرف اسمه؟"
فكر الموظف قليلًا.ثم قال:"ياسين."توقفت نور.
"ياسين إيه؟"هز الرجل رأسه:"معرفش."شكرته نور، وعادت إلى طاولتها.كانت تظن أن الموضوع انتهى عند هذا الحد.
لكن بعد دقائق، دخل رجل إلى المقهى.
ما إن رأته نور حتى عرفته.كان هو.ياسين.نظر حوله، ثم وقعت عيناه عليها.ابتسم.وقال:"واضح إن المظلة رجعت أسرع مما توقعت."
رفعتها نور وقالت:"وأنا كنت خايفة ماعرفش أوصلك."جلس ياسين على الطاولة المقابلة."كنتِ ممكن تسيبيها هنا."قالت:
"بس كان لازم أرجعها لصاحبها."
ابتسم:
"كويس إنك رجعتيها."
سألته نور:
"كنت متأكد إني هرجع؟"
نظر إليها للحظة وقال:
"بصراحة؟"
"آه."
"كنت متأكد."
ضحكت نور:
"ليه؟"
أجاب ببساطة:
"لأن اللي بياخد حاجة من حد لأول مرة... غالبًا بيكون حريص إنه يرجعها."
سكتت نور للحظة.
لم تعرف لماذا شعرت أن الجملة تحمل معنى أكبر من مجرد مظلة.
وقبل أن تسأله، رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة، ثم أغلق المكالمة.
سألته نور:
"مش هترد؟"
قال:
"بعد شوية."
"ممكن تكون حاجة مهمة."
نظر إليها بهدوء وقال:
"لو كانت ضرورية، هيرجعوا يتصلوا."
ثم وضع هاتفه على الطاولة.
ولأول مرة، لم يكن مستعجلًا للرحيل.
جلسا يتحدثان عن أشياء بسيطة؛ عن الأماكن التي يحبانها، وعن العمل، وعن سبب اختيار كل واحد منهما لهذا المقهى.
ومع مرور الوقت، اكتشفت نور أن الرجل الذي ظنته في البداية غامضًا وجادًا، كان أكثر هدوءًا ودفئًا مما توقعت، وأن وراء ملامحه الجادة شخصية تحب الاستماع أكثر من الكلام.
أما ياسين، فاكتشف أن نور لم تكن مجرد فتاة لفتت انتباهه في يوم ممطر.
كانت مختلفة.
وحين انتهى اللقاء، وقفت نور استعدادًا للرحيل.
قال ياسين:
"المرة الجاية..."
توقفت ونظرت إليه.
أكمل:
"ممكن نتقابل من غير مطر."
ابتسمت نور:
"وممكن المطر يكون أحلى."
ابتسم ياسين.
خرجت نور من المكان وهي تحمل حقيبتها فقط.
أما المظلة...
فقد تركتها على الطاولة.
نظر ياسين إليها، ثم ابتسم.
كان يعرف أنها تركتها عمدًا.
ولأول مرة منذ وقت طويل، شعر أن لديه سببًا حقيقيًا للعودة إلى المكان غدًا.
أما نور، فكانت تمشي في الشارع وهي تبتسم.
لم تكن تعرف إلى أين ستأخذها هذه الحكاية.
لكنها كانت متأكدة من شيء واحد:
بعض اللقاءات تبدأ بمظلة... وتنتهي بحكاية لا يتوقعها أحد.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق