مقالات اخري بواسطة Hussam
ابو الفقراء وامير الصعاليك

ابو الفقراء وامير الصعاليك

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

ابو الفقراء 

 

image about ابو الفقراء وامير الصعاليك

عروة بن الورد: أمير الصعاليك وقصته مع القبيلة والخيانة

في زمنٍ كان المجد فيه للقبيلة، والمال للقادرين، وُلد عروة بن الورد العبسي، الذي جمع في شخصيته بين شعرٍ يفطر القلوب، وفروسيةٍ لا تلين، وصعلكةٍ ترفض أن تنام على وسادةٍ بينما جارها جائع. قيل عنه: "لو كان لعروة بن الورد ولد لأحببت أن أتزوج إليهم"، وقيل عن كرمه: "من قال إن حاتماً أسمح الناس فقد ظلم عروة بن الورد".

كانت حياته قصةً واحدة طويلةً، نروي لك هنا أشهر فصلين فيها:

▎قصة سلمى: حبٌّ من رحم السبي

في إحدى غزواته على بني كنانة، وقعت عينا عروة على فتاةٍ بكرٍ اسمها سلمى. أسرها لنفسه، لكنه لم يعاملها كسبية، بل أعتقها واتخذها زوجةً ورفيقة، وعاشا معًا بضع عشرة سنة ورزقا بأولاد. كانت سلمى أرغب الناس فيه، لكن شيئًا ما ظلّ ينخر في صدرها: ذكرى أهلها، والعار الذي يلحق بقبيلتها أن تكون امرأة من سيداتهم سبية عند رجل.

ذات يوم قالت له: "لو حججت بي فأمر على أهلي وأراهم". وافق عروة، وكانت تلك بداية المؤامرة.

رتبت سلمى مع أهلها خطةً محكمة: سقوه الخمر حتى ثمل، ثم طلبوا منه أن يفتديها، قائلين له: "إنها وسيطة النسب فينا معروفة، وإن علينا سبّة أن تكون سبيّة". اشترط عروة في ثمالته أن تُخيّر سلمى بينه وبينهم. وافقوا، لكنهم عادوا إليه في اليوم التالي وهو صاحٍ من سكره، فلم يذكر شيئًا مما جرى، فأشهدوه على الاتفاق.

عند التخيير، اختارت سلمى أهلها.

قبل أن تغادر، التفتت إليه باكيةً وقالت له كلماتٍ ظلت خالدةً في تاريخ الأدب العربي: "والله ما أعلم امرأة ألقت سترها على بعل خير منك، وأغض طرفًا، وأقل فحشًا، وأجود يدًا، وأحمى لحقيقة". ثم أضافت بحسرة: "والله لا أنظر في وجه غطفانية أبدًا، فارجع راشدًا إلى ولدك وأحسن إليهم".

فقال عروة في ذلك قصيدته المشهورة التي مطلعها:

سَقَوني الخَمْرَ ثُمَّ تَكَنَّفوني

عُداةَ اللهِ مِن كَذِبٍ وَزورِ

أراد أن يبقيها حرة، فاختارت هي أن تكون أسيرةً لعائلتها، وأصبح عروة أسيرًا لذكرياتها.

▎قصة أصحاب الكنيف: الأيدي الممدودة في الجدب

لم يكن عروة فارسًا عاديًّا، ولا شاعرًا كغيره. كان "أبو الفقراء" و"أبو المساكين" حقًا.

يُروى أنه في سنوات الجدب والقحط، كانت القبائل تترك المرضى والضعفاء وكبار السن في بيوتهم ليموتوا، فلا طاقة لهم بهم. أما عروة فكان يفعل العكس تمامًا: كان يجمع أشباه هؤلاء المنبوذين من عشيرته، يحفر لهم الأسراب في الأرض ليحتموا بها من الحر والبرد، ويكسوهم ويطعمهم.

كان يقول في قصيدته التي مطلعها "ألا إن أصحاب الكنيف وجدتهم":

أَلا إِنَّ أَصحابَ الكَنيفِ وَجَدتُهُم

كَما الناسِ لَمّا أَخصَبوا وَتَمَوَّلوا

أصحاب الكنيف هم هؤلاء الفقراء الذين لا مأوى لهم سوى حفائر في الأرض، وكان عروة هو ملجأهم الوحيد. وإذا قوي أحدهم وتعافى من مرضه، خرَج به عروة في غارة ليصيبوا مالاً من الأغنياء، فيقسمه بينهم جميعًا، ويجعل للضعفاء الذين تخلفوا نصيبًا أيضًا.

بهذه الأفعال، رفع عروة الصعلكة من مجرد حياة التشرد إلى فلسفة كاملة في البذل والعدالة الاجتماعية، فاستحق لقبه الخالد: عروة الصعاليك.

هذا الرجل الذي قال فيه معاوية بن أبي سفيان: "لو كان لعروة بن الورد ولد لأحببت أن أتزوج إليهم"، قُتل في إحدى غاراته على يد رجل من طيِّء قبل الإسلام بست وعشرين سنة. لكنه بقي حيًّا في أشعاره، وفي كل قصة تُروى عن صعلوك نبيل آثر الفقراء على نفسه، وكتب للضعفاء مجدًا لا يمحوه الزمن.

لحَى الله صعلوكًا إذا جَنَّ ليلُه

مُصَافِيَ المُشَاشِ آلِفًا كُلَّ مَجْزِرِ

يَعُدُّ الغِنَى مِن دَهْرِه كُلَّ لَيلَةٍ

أَصَابَ قِرَاهَا مِن صَدِيقٍ مُيَسِّرِ

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Hussam تقييم 5 من 5.
المقالات

2

متابعهم

3

متابعهم

4

مقالات مشابة
-