من ساحات القتال إلى عرش الفراعنة: قصة كفاح الملك رمسيس الأول

من ساحات القتال إلى عرش الفراعنة و قصة كفاح الملك رمسيس الاول
في لحظة فارقة من تاريخ مصر القديمة، وتحديداً في نهاية الأسرة الثامنة عشرة، كانت الدولة المصرية تمر بمرحلة مخاض عسير. فبعد الاضطرابات التي أحدثتها ثورة أخناتون الدينية وما تلاها من ضعف في النفوذ الخارجي، كان لا بد من وجود قبضة قوية تعيد ترتيب البيت من الداخل. هنا ظهر "رمسيس الأول"، الرجل الذي لم يولد ملكاً، لكنه ملك بصيرته وشجاعته ما جعله جديراً بحمل التاج، ليؤسس واحدة من أعظم الأسر الحاكمة في التاريخ، وهي الأسرة التاسعة عشرة أو ما يعرف بـ "عصر الرعامسة".
لم يكن رمسيس الأول، الذي كان يعرف قبل التتويج باسم "بارع ميسو"، غريباً عن أروقة الحكم، لكنه كان ينتمي لطبقة العسكريين لا الطبقة الملكية. ولد في منطقة "أواريس" بشرق الدلتا، وهي منطقة كانت تمتاز بطابع عسكري و جغرافي استراتيجي. نشأ في أسرة توارثت الجندية كبيراً عن كابر، فكان والده "سيتي" قائداً عسكرياً مرموقاً.
بفضل تفانيه وكفاءته الاستثنائية، لفت "با رع ميسو" أنظار الملك "حور محب"، الذي كان هو الآخر قائداً عسكرياً اعتلى العرش. تدرج رمسيس في المناصب حتى أصبح الوزير الأول، وقائد الجيش، والمشرف على خيول الملك، بل وأصبح المتحدث الرسمي باسم الملك في كافة الشؤون الخارجية والداخلية.
عندما شعر الملك "حور محب" يحين أجله ولم يكن له وريث من صلبه، لم يجد أكفأ من رفيقه في السلاح وزيره المخلص رمسيس الأول يتسلم مقاليد الحكم. كان هذا الاختيار عبقرياً؛ فاـ "حور محب" لم يكن يختار ملكاً لفترة مؤقتة، بل كان يختار سلالة كاملة، حيث كان لي رمسيس الأول ابن قوي هو "سيتي" وحفيد واعد هو "رمسيس"، مما ضمن استقرار انتقال السلطة لثلاثة أجيال قادمة على الأقل. توج رمسيس الأول ملكاً في عام 1292 ق.م تقريباً، واتخذ لنفسه الاسم الملكي "من بختي رع"، ومعناه "دائم هو بطش رع".
رغم أن رمسيس الأول لم يحكم سوى لفترة قصيرة تتراوح بين عام واحد و عامين، إلا أن بصماته كانت بمثابة إعادة ضبط بوصلة الدولة المصرية:
: عمل فور توليه على محو ما تبقى من آثار الحقبة العمرانية، فأعاد تعظيم الإله "آمون رع" وبقية الآلهة المصرية التقليدية، مما أعاد التحالف الاستراتيجي بين القصر وكهنة المعبد.
بدأ في التخطيط لاستعادة النفوذ المصري في بلاد الشام، وهي المهمة التي استكمالها ابنه سيتي الأول لاحقاً ببراعة.
بدأ في زخرفة وتشييد "قاعة الأعمدة الكبرى" في معبد الكرنك، وهي القاعة التي تعد اليوم واحدة من أضخم وأجمل المنشآت الدينية في العالم القديم
لضمان استمرارية النهضة، اتخذ قراراً سياسياً حكيماً بإشراك ابنه "سيتي الأول" معه في الحكم، يدربه على فنون الإدارة والقيادة قبل رحيله.
توفي رمسيس الأول ودفن في وادي الملوك في المقبرة كانت مقبرة صغيرة الحجم نظراً لوفاته المفاجئة، لكنها احتوت على نقوش رائعة تشبه إلى حد كبير نقوش مقبرة حور محب. ومع ذلك، لم يرقد جسده بسلام لآلاف السنين؛ فقد تعرضت المقبرة للنهب في عهود الضعف اللاحقة، ونقل الكهنة المومياء إلى "خبيئة الدير البحري" لحمايتها.في القرن التاسع عشر، تم اكتشاف المومياء و سرقت مومياء الملك وبيعت لتاجر آثار، لينتهي بها المطاف في متحف شلالات نياجرا بكندا، وظلت هناك لأكثر من 130 عاماً تعرض كا "مومياء مجهولة". لم يتم التعرف عليها إلا في أواخر القرن العشرين عبر أبحاث الأشعة المقطعية والتحليل الجيولوجيا التي أظهرت تشابهاً مذهلاً في الملامح مع ابنه سيتي الأول وحفيده رمسيس الثاني.
في عام 2003، عادت المومياء إلى مصر في مشهد مهيب، واستقرت في متحف الأقصر. إن قصة رمسيس الأول هي قصة الإخلاص الذي يقود إلى المجد. فقد استطاع هذا الرجل، في وقت قصير جداً، أن يحول مسار التاريخ المصري من الانحدار إلى القمة، مؤسساً لأسرة حكمت مصر في أزهى عصورها الحربية والمعمارية.
لقد كان رمسيس الأول هو "الجد الأكبر" الذي زرع البذرة، لكي يحصد حفيده رمسيس الثاني ثمار الإمبراطورية التي سادت العالم القديم لقرون، ليظل اسمه محفوراً كواحد من أعظم القادة الذين عرفتهم الأرض.