صقر قريش: من رماد الشتات إلى مجد الأندلس

صقر قريش: من رماد الشتات إلى مجد الأندلس

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about صقر قريش: من رماد الشتات إلى مجد الأندلس

 

 

سقوط دمشق وبداية الكابوس

كانت دمشق، لؤلؤة الشرق وعاصمة الخلافة الأموية، تعيش أواخر أيام مجدها الغابر في عام 132 هـجريا (750 م). ارتفعت الرايات السوداء للعباسيين في الآفاق، معلنةً سقوط دولة وبزوغ فجر دولة أخرى على أنقاضها. لم تكن هذه مجرد عملية انتقال طبيعية للسلطة، بل كانت طوفاناً دموياً تتبع فيه العباسيون كل من ينتمي إلى سلالة بني أمية بالقتل والتنكيل والتصفية.

في هذه الأجواء المشحونة بالموت والترقب، تبدأ قصة الشاب الأموي ذو العشرين ربيعاً، عبد الرحمن بن معاوية بن هشام، الذي كُتب له أن يعيد كتابة التاريخ من أطراف الأرض السحيقة. كان عبد الرحمن يتمتع بذكاء حاد، وبنية جسدية قوية، ونظرة ثاقبة ورثها عن جده الخليفة العظيم هشام بن عبد الملك. عندما ضاقت دمشق بأهلها واشتد الخناق، فرّ عبد الرحمن بصحبة أخيه الصغير يحيى، وطفله الرضيع سليمان، ومولاه الوفي "بدر" متخفين عن الأعين، والعيون العباسية تترصد خطواتهم في كل مكان.

 

image about صقر قريش: من رماد الشتات إلى مجد الأندلس

 

المأساة على ضفاف الفرات

اتجهت المجموعة الهاربة نحو أطراف العراق، عابرين القرى والبراري في تخفٍّ مستمر. وذات يوم، بينما كانوا يلتجئون إلى بيت طيني صغير ومتواضع على ضفاف نهر الفرات، دهمت خيول العباسيين المنطقة بغتة وصاح جنودهم يطالبون برؤوس الأمراء. لم يكن أمام الشقيقين سوى الفرار المباشر نحو النهر والسباحة بأقصى سرعتهم للوصول إلى الضفة الأخرى.

ألقى عبد الرحمن وأخوه يحيى بنفسيهما في المياه الباردة سريعة الجريان، وبدأا يسبحان بكل ما أوتيا من قوة وإرادة. كان جنود العباسيين يقفون على الضفة ويصرخون بهما تارة بالوعيد وتارة بالأمان والعهود الكاذبة إن هما عادا واستسلما. تعب يحيى الصغير الذي لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره، وغلب عليه التعب والذعر الشديد من عمق المياه، فالتفت إلى الوراء مصدقاً وعود الأمان والرحمة رغم تحذيرات وصيحات أخيه الأكبر المفجوعة: "لا ترجع يا أخي، إنهم الغدر عينه وسيقتلونك!".

عاد الصغير أدراجه إلى الضفة، وما إن وطئت قدماه الأرض حتى قُطع رأسه بدم بارد أمام عيني شقيقه عبد الرحمن المذهول في وسط النهر. كانت تلك الصدمة المروعة كفيلة بكسر أي إنسان وطمس روحه، لكنها بالنسبة لعبد الرحمن صبت في قلبه إصراراً فولاذياً على البقاء، ومواصلة السباحة حتى عبر إلى البر الآمن وحيداً مع مأساته العميقة.

رحلة التيه في صحاري إفريقيا

واصل عبد الرحمن ركضه الطويل برفقة مولاه بدر متجهاً غرباً نحو شمال إفريقيا، تاركاً وراءه كل شيء سوى آماله الغامضة. كانت هذه الرحلة بمثابة تيه شاق في الصحاري القاحلة استمر لنحو خمس سنوات كاملة من الترقب والتخفي. تنقل الأمير الشاب بين قبائل المغرب العربي، مستفيداً من نسب والدته التي كانت تنتمي إلى قبيلة "نفزة" الأمازيغية البربرية.

هناك، وجد السند والترحاب بين أخواله، لكنه مع ذلك لم يذق طعم الأمان المطلق يوماً؛ إذ كانت عيون العباسيين وأذرعهم الطويلة تلاحقه أينما حل، مرسلةً الجواسيس لاقتفاء أثره. كان ينام وعينه نصف مفتوحة، ويده ممسكة بمقبض سيفه، يتنقل من واحة إلى أخرى ومن خيمة إلى أخرى تحت أسماء مستعارة، حاملاً في صدره حلم الخلافة الضائع وعزيمة لا تلين.

صناعة المجد وعين على الأندلس

في تلك الأثناء، كانت بلاد الأندلس تعيش في الضفة الأخرى من البحر المتوسط حالة مستعصية من الفوضى السياسية والحروب الأهلية الطاحنة بين القبائل العربية اليمانية والمضرية، فضلاً عن الصدامات المتكررة مع البربر والاضطرابات العامة. أدرك عبد الرحمن بعبقريته السياسية الفذة أن هذه التربة الخصبة بالنزاعات هي فرصته التاريخية الكبرى.

أرسل مولاه المخلص "بدر" سراً إلى الأندلس ليدرس الأوضاع الحقيقية على الأرض، ويتواصل مع بقايا الأمويين والمؤيدين لبيت الخلافة القديم. نجح بدر بدهائه في كسب تأييد الكثيرين الذين سئموا الفتن المستمرة، ورأوا في هذا الأمير الأموي الشاب المنقذ المنتظر الذي يملك الشرعية الكافية لجمع شملهم وتوحيد كلمتهم.

العبور والانتصار وتشييد الدولة

وفي ليلة تاريخية حاسمة من عام 138 هـ (755 م)، ركب عبد الرحمن البحر ووطئت قدماه شواطئ الأندلس عند منطقة "المنكب". استقبله الأنصار بالدموع والهتاف، والتف حول رايته آلاف المقاتلين في وقت قياسي. تقدم الأمير الطموح بخطى واثقة نحو العاصمة قرطبة، وخاض ضد والي الأندلس يوسف الفهري معركة "المصارة" الخالدة.

بفضل حنكته العسكرية الفائقة وشجاعته النادرة في قلب المعركة، أحرز عبد الرحمن نصراً مؤزراً ودخل قرطبة ظافراً فاتحاً، ليُعلن رسمياً قيام الإمارة الأموية المستقلة في الأندلس. وبسبب هذا الإنجاز الخارق الذي شُيّد من ركام الموت، لقبّه ألدّ أعدائه، الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، بلقب "صقر قريش"، مندهشاً من قدرة هذا الشاب على عبور القفار والبحار منفرداً وتأسيس ملك عظيم دون جند أو مال وبناء دولة تضاهي دولته في المشرق وقوتها.

أمضى عبد الرحمن الداخل أكثر من ثلاثين عاماً في حكم الأندلس؛ فبنى جامع قرطبة الكبير العظيم، وأسس قصر الرصافة، وحصّن الثغور والمدن، وحوّل الأندلس من ولاية نائية وممزقة بالحروب إلى منارة علمية وحضارية أبهرت القارة الأوروبية لقرون متتالية، مبرهناً للأجيال أن الإرادة الحرة والهمة العالية تستطيعان دائماً انتشال الإنسان من عمق الرماد لصناعة أعظم الأمجاد.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
فضل الله تقييم 5 من 5.
المقالات

3

متابعهم

6

متابعهم

3

مقالات مشابة
-