In this article
فقدان عزيز
لم أكن أؤمن يومًا بأن الأماكن تستطيع أن تخفي أسرارًا أكبر من البشر، حتى وصلت إلى ذلك المبنى القديم في أطراف المدينة. كنت أعمل في تصوير الأماكن المهجورة، وأبحث دائمًا عن قصص لا يعرفها أحد، لكن تلك الليلة لم أذهب بحثًا عن قصة... بل وصلتني القصة بنفسها. قبل أيام، وجدت رسالة مجهولة داخل صندوق بريدي، لم يكن فيها سوى صورة
لم يكن هناك اسم، ولا عنوان، ولا أي تفسير، لكن تحت الصورة كان هناك رقم محفور بطريقة غريبة... وعندما بحثت عنه، اكتشفت أنه كان رقم غرفة في المبنى نفسه.
وصلت إلى المكان قبل منتصف الليل بقليل، وكان الضباب يغطي الطريق بالكامل. بدا المبنى كأنه مهجور منذ عشرات السنين، ومع ذلك لاحظت شيئًا جعلني أتوقف أمام الباب؛ كانت هناك آثار أقدام حديثة فوق التراب، وكأن شخصًا دخل قبلي بدقائق فقط. أخرجت مصباحي ودخلت، فوجدت:
ممرًا طويلًا تحيط به أبواب خشبية متآكلة. في نهاية الممر كانت ساعة كبيرة متوقفة عند 11:47، وبجانبها مصعد قديم لا يحمل سوى أزرار من الطابق الأول حتى السادس... لكنني لم أكن أعرف بعد أن المشكلة لم تكن في المصعد، بل في الطابق الذي لم يكن موجودًا أصلًا.
صعدت إلى الغرفة رقم 214، وهي الغرفة التي كان الرقم الموجود تحت الصورة يشير إليها. عندما فتحت الباب، شعرت فورًا بأن أحدًا كان يعيش هناك قبل وقت قصير؛ كوب ماء على الطاولة، وكتاب مفتوح، ومصباح يعمل رغم أن الكهرباء من المفترض أن تكون مقطوعة منذ سنوات. اقتربت من الكتاب فوجدت ملاحظات مكتوبة بخط يد شخص مجهول، وفي الصفحة الأخيرة جملة أثارت الرعب في داخلي: "لا تثق بمن ستراه في المرآة." رفعت رأسي ببطء نحو المرآة... ولم أجد انعكاسي فيها.
ركضت نحو المرآة ولمستها، فكانت باردة بشكل غير طبيعي. ثم بدأ سطحها يهتز كأنه ماء، وظهرت خلفه صورة للممر الذي كنت أقف فيه... لكن الممر في المرآة كان مختلفًا، وكان هناك رجل يقف في آخره. لم أستطع رؤية وجهه، لكنه كان يرتدي المعطف نفسه الذي وصفته الرسالة، ثم رفع يده وأشار إلى المصعد. تراجعت خطوة، وفي اللحظة نفسها سمعت صوتًا حقيقيًا خلفي يقول بهدوء: “لا تنظر إليه طويلًا.”
استدرت بسرعة، فلم يكن هناك أحد. ركضت إلى المصعد وضغطت زر الطابق السادس، لكن المصعد توقف في منتصف الطريق دون سبب. انطفأت الأنوار، وسمعت صوتًا معدنيًا قادمًا من أعلى المصعد، كأن شخصًا يمشي فوقه. ثم ظهر على لوحة الأزرار رقم لم يكن موجودًا من قبل: 7. بقيت أحدق فيه لثوانٍ، ثم ضغطته، فانفتح المصعد على ممر مظلم تمامًا... ممر لم يكن موجودًا في تصميم المبنى.
خرجت بحذر، وكانت الجدران مغطاة بصور لأشخاص مجهولين. اقتربت من أول صورة، ثم الثانية، ثم الثالثة، حتى تجمدت في مكاني عندما رأيت شيئًا أعرفه جيدًا... صورتي أنا.

كانت هناك عشرات الصور لي في أماكن مختلفة، بعضها التُقط قبل سنوات، وبعضها يظهرني في أماكن لم أزرها قط. وفي نهاية الجدار كانت صورة حديثة جدًا، التُقطت قبل دقائق فقط، وأنا أقف أمام المصعد... لكن الشخص الذي ظهر خلفي في الصورة لم يكن إنسانًا.
تجاهلت خوفي وواصلت السير حتى وصلت إلى باب حديدي عليه نفس الرقم الذي وجدته تحت الصورة. فتحت الباب، ووجدت غرفة مليئة بالخرائط والتسجيلات والأشرطة القديمة. في منتصف الغرفة كان هناك جهاز تسجيل يعمل تلقائيًا، وسمعت صوت رجل يقول: "إذا كنت تسمع هذا الآن، فهذا يعني أنك وصلت إلى المرحلة الأخيرة."
ثم سكت التسجيل لثوانٍ قبل أن يقول جملة جعلتني أشعر أن الأرض اختفت من تحت قدمي: “أنا أخوك... وأنا لم أختفِ.”

توقفت عن التنفس للحظة. أخي كان قد اختفى قبل عشر سنوات، وكنت قد قضيت سنوات أبحث عنه دون أن أجد أي دليل. أمسكت جهاز التسجيل بيدي، وبدأت أسمع صوته بوضوح أكبر. أخبرني أنه اكتشف مكانًا لا يخضع لقوانين الزمن، وأن المبنى ليس مبنى حقيقيًا بالكامل، بل نقطة عبور إلى مكان آخر. وقال إن الأشخاص الذين دخلوا هذا المكان لم يختفوا... بل عادوا منه أشخاصًا مختلفين. ثم جاء في التسجيل صوت ارتطام عنيف، وقال أخي بسرعة: “هناك شيء يعرف أنك هنا... لا تفتح الباب خلفك مهما سمعت.”
وبمجرد انتهاء الجملة، سمعت طرقًا بطيئًا على الباب خلفي.
طرقة واحدة.
ثم طرقة ثانية.
ثم ثلاث طرقات متتالية.
لم أتحرك. تذكرت تحذيره، وظللت أحدق في الباب بينما بدأ المقبض يتحرك ببطء. فجأة جاءني صوت من الجانب الآخر... كان صوت أخي نفسه، يقول: "افتح يا أخي، أنا هنا." شعرت بأنني أعرف ذلك الصوت أكثر من أي شيء في العالم، وكدت أفتح الباب، لكن عيني سقطتا على إحدى الصور المعلقة أمامي، فرأيت صورة لأخي... وكان يقف داخل الغرفة نفسها التي أنا فيها الآن.
لكن الصورة كانت مؤرخة بتاريخ غدًا.
عندها فهمت الحقيقة المرعبة: المكان لم يكن يخبرني بما حدث... بل كان يخبرني بما سيحدث. نظرت إلى جهاز التسجيل، فوجدت تسجيلًا جديدًا بدأ بالعمل دون أن ألمسه. هذه المرة كان صوتي أنا من يتحدث، لكنني لم أقل تلك الكلمات بعد.
قال صوتي في التسجيل:
“إذا كنت تسمع هذا، فلا تفتح الباب... لأن الشخص الذي يقف خلفه ليس أخي.”
ثم انطفأت جميع الأنوار.
وعندما عادت، لم يعد هناك باب خلفي أصلًا.
كان أمامي فقط ممر طويل... وفي نهايته كان يقف أخي.
يبتسم.
وينظر إليّ مباشرة.
ثم قال:
“تأخرت كثيرًا... نحن ننتظرك منذ عشر سنوات.”

وهنا فقط أدركت أنني لم أصل إلى المكان بحثًا عن أخي…
بل ربما كان أخي هو من جعلني أصل إليه منذ البداية.
يتبع………..


Discussion
comments (0)
Share a perspective. Start a thoughtful conversation.
please login to be able to comment