في هذا المقال

رواية الدرج المقفول: الجزء الثاني | اعتراف لطيفة الذي قلب البيت
مرّت دقيقة كاملة لم يتحرك فيها أحد.
وقف طلال في منتصف المكتب، والصورة في يده، وأمه عند العتبة تحدق في الشاي المسكوب على السجادة كأنه دم. الساعة الجدارية تدق، وصوت المكيف يأتي من بعيد، وفي الخارج يمرّ أحدهم بسيارة تصدح منها أغنية قديمة ثم تبتعد.
كسر طلال الصمت أخيرًا، وصوته أهدأ مما توقع:
«يمّه، اجلسي.»
لم تتحرك.
«يمّه، والله ما بصرخ عليك. بس اجلسي، وجهك أصفر.»
مشت لطيفة نحو الكنبة الصغيرة الملاصقة للجدار كمن يمشي في حلم، وجلست على طرفها، وضمّت عباءتها إلى صدرها. أما هو فانحنى أولًا وجمع شظايا الكوب واحدة واحدة ووضعها على المكتب. كان يحتاج إلى أي حركة تمنع يديه من الارتجاف. ثم سحب الكرسي الجلدي وجلس أمامها، قريبًا بما يكفي ليرى أصابعها المتشابكة وهي تبيضّ من شدة الضغط.
قال: «اللي قلتيه قبل شوي... 'قلت لك تحرقها'. كنتي تدرين؟»
أغمضت عينيها. سالت دمعة واحدة على خدها ومسحتها بسرعة، كما تفعل النساء اللواتي تعلّمن ألا يبكين أمام أبنائهن.
«أدري يا طلال... أدري من أول يوم.»
«من أول يوم؟ أي يوم؟»
«من قبل لا تجي إنت.»
تسمّر في مكانه. مدّ يده بالصورة وقلبها لتظهر الكتابة الخلفية: «ماجد. ١٤ / ٣ / ١٩٩٢.»
«هذا التاريخ يسبق ميلادي بسنتين يا يمّه. وفيصل أكبر مني بأربع سنين. يعني ولد أبوي هذا... ولد أخوي... وش هو بالضبط؟ أخوي؟ أخوي غير الشقيق؟»
لم تجب. فقال بصوت أعلى قليلًا:
«يمّه! أبوي كان متزوج ثانية؟»
رفعت لطيفة عينيها إليه أخيرًا، وكانت فيهما نظرة لم يرها من قبل، ليست خوفًا ولا حزنًا فقط، بل شيء يشبه الإعياء، كأنها كانت تحمل حجرًا ثقيلًا ثلاثين سنة وقيل لها أخيرًا إنها تستطيع أن تضعه.
«سنة ونص بس. وما كنت أدري بالبداية.»
جلس طلال على حافة الكرسي، وشعر أن أرض الغرفة تميل قليلًا.
«اسمعني،» قالت، «وخلّني أكمل بدون لا تقاطعني، لأني لو وقفت مرة ثانية ما بقدر أكمل.»
هزّ رأسه.
«أنا وأبوك تزوجنا سنة ١٩٨٧. كنت بنت عشرين. وفيصل جا بعد سنة ونص، وكنت أحسب حياتنا أحلى حياة. أبوك كان طيب وهادي، وكان يشتغل في الشركة ويسافر كثير. كل كم شهر يقول لي: يا لطيفة، عندي سفرة عمل، أسبوع وأرجع. وأنا أجهّز له الشنطة وأودعه عند الباب.»
توقفت لتبتلع ريقها.
«في صيف ١٩٩٢ رجع من سفرة وكان وجهه غير. ما كان يأكل، وما كان ينام، وبالليل أسمعه يمشي في هالمكتب لين الفجر. سألته ألف مرة، وكان يقول: تعب شغل. لين جا يوم...»
«يوم وش؟»
«يوم دخلت المكتب أنظّفه وهو في الدوام، وفتحت الدرج الأيمن اللي كان ما يقفله وقتها.» وأشارت بذقنها إلى الدرج المفتوح. «لقيت الصورة. الصورة هذي بالذات. وورقة عقد زواج.»
نظر طلال إلى الدرج ثم إليها، وسمع صوته يخرج ضعيفًا:
«عقد زواج...»
«من وحدة اسمها هدى. من مدينة ثانية، غير مدينتنا. تزوجها في السر قبل ما يولد فيصل بشهور، يعني كان متزوجني وهو متزوجها.» ضحكت ضحكة قصيرة مريرة وقالت: «وأنا الغبية اللي كنت أجهّز له الشنطة.»
أخذ نفسًا طويلًا. كان قلبه ينبض بقوة، لكن رأسه كان بارد التفكير على نحو غريب، كأنه يتفرج على مشهد يحدث لشخص آخر.
«وماجد...»
«ماجد ولدها منه. جا في مارس ٩٢، وأبوك ما قدر يخبي أكثر، فكتب لي الحقيقة في ورقة وحطها أمامي، وجلس يبكي مثل الطفل.» مسحت وجهها بكفها. «ما قلت له شي. ما صرخت ولا كسرت شي. طلبت منه شي واحد بس: يختار.»
«يختار بيني وبين وحدة ثانية؟»
«يختار بيتنا أو بيتهم.»
سكتت. ثم قالت بصوت جامد:
«واختارنا.»
جلس طلال يحدق فيها، وارتفعت في صدره موجة متضاربة: غضب من أبيه، وحزن على أمه، وشيء غريب يشبه الشفقة على امرأة لا يعرفها ولا يعرف أبناءها.
«وهم؟ هدى وماجد؟ وش صار لهم؟»
هزّت لطيفة رأسها ببطء. «طلّقها. أعطاها بيت ومبلغ كبير، وسافر إليهم مرة أو مرتين في السنة يشوف الولد ويرجع. وكنت أعرف. طول ثلاثين سنة كنت أعرف كل سفرة وين تروح. ما سألته مرة، وما تكلمنا في الموضوع ولا حتى بعد ما جيت إنت.»
«يعني سفرات أبوي كل شتاء...»
«كانت لماجد. كل سنة في آخر الشتاء، عشان يوم ميلاده.»
أغمض طلال عينيه. رأى أباه يعود متعبًا بعينين ثقيلتين، يجلس في هذا المكتب بالساعات، ثم يعانقه أكثر من المعتاد. كان يظنه شوقًا للبيت، فتبين أنه كان اعتذارًا صامتًا.
«ولا مرة قال لي شي،» همس. «ولا مرة، يا يمّه.»
«وأنا اللي طلبت منه.»
فتح عينيه. «وليش؟»
قالت بحدة مفاجئة: «لأني أمّك! لأني ما كنت أبي أحد يقول لولدي إن أبوه مقسوم بين بيتين. كنت أبي أحميك من هالشي، وأحمي فيصل ونورة. كنت أقول: يكبرون وهم يشوفون أبوهم رجل كامل. وهذا كان غلطي، وأدري.»
ارتجف صوتها في الجملة الأخيرة. أراد طلال أن يمدّ يده إليها، لكن شيئًا ما ثقيلًا كان يمنعه. لم يكن غضبًا منها، بل كان الحيرة: كيف يغضب على من كذبت لتحميه؟
قال بعد لحظة: «وليش قلتي 'قلت لك تحرقها'؟ ليش ما حرقها هو؟»
مسحت لطيفة وجهها، وأشارت إلى الظرف في يده.
«لأني كنت أعرف إنه لو مات ولقيتوا هالأغراض، بتنفتح باب ما تنسد. طلبت منه قبل لا يمرض بسنتين يحرق كل شي، الصور والأوراق وكل شي يخص ذاك البيت. قال لي: ما أقدر يا لطيفة. هذا ولدي. وأنا أبوه، حتى لو ما قدرت أعلن هالشي.»
سكتت، وأضافت بصوت أخفض:
«وقبل شهور من موته... كان يكلم أحد في التلفون. سمعته. وسمعته يقول: أبشر يا ولدي، أبشر، بخبر طلال.»
تجمّد طلال. «يخبر عني؟ يخبر مين؟»
«ما أعرف. ما سألته، ولا قال. وبعدها مرض، وما خلص شي.»
وقف طلال فجأة. لم يعد يحتمل الجلوس. مشى إلى المكتب والتقط الدفتر الجلدي الصغير من الدرج المفتوح، وقلّب صفحاته الأولى بسرعة. كانت مليئة بخط أبيه: مواعيد سفر، وأرقام، وأسماء مدن، ومبالغ مالية، وعبارات قصيرة مثل «اشتريت له دراجة» و«دخل المدرسة اليوم» و«سألني ليش ما أقعد عندهم».
لم يقدر على قراءة الجملة الأخيرة. أغلق عينيه لحظة وقلّب إلى آخر صفحة مكتوبة.
كانت بتاريخ قبل وفاة أبيه بثلاثة أسابيع. الخط أضعف وأكثر ميلًا، كخط رجل يكتب وهو يتألم:
«ماجد اتصل اليوم. أول مرة ما يقفل الخط بوجهي. قال إنه يبي يشوفني قبل لا أموت. قلت له: تعال. قال: ولدك طلال، يعرف؟ ما قدرت أجاوب. لازم أخبر طلال. لازم أخبره قبل لا يوصل ماجد، لأنه ما راح يقعد ساكت بعد اليوم.»
قرأ طلال السطور مرتين، ثم رفع رأسه ببطء نحو أمه.
«يمّه... أبوي كان ناوي يقول لي.»
«ما أدري.»
«كان ناوي. مكتوب هنا. وماجد كان راح يجي.» توقف، وسأل بنبرة أخفض: «وهل جا؟ قبل لا يموت أبوي؟ هل شفتيه؟»
لم تجب لطيفة فورًا. أسندت رأسها إلى الجدار، وأطالت النظر إلى السقف كمن يبحث عن الجواب فيه. وحين ردّت، كان صوتها بعيدًا:
«في آخر أسبوع، جا رجل للمستشفى. وقف عند الباب ولا دخل. أنا شفته من بعيد. طويل، شعره أسود، وفي خده الأيسر...»
لم تكمل. لم تحتج أن تكمل.
فتح طلال العلبة المعدنية الصغيرة أخيرًا، بيد لا تكاد تطيعه. كانت الحلوى القديمة قد تحولت إلى غبار، وتحتها رزمة رسائل مربوطة بشريط أزرق باهت، وصورة أخرى ملقاة فوقها: رجل في الثلاثين، بقامة طويلة وشعر أسود كثيف مسرّح إلى اليمين، يقف على رصيف مطار ويحمل حقيبة، وينظر إلى الكاميرا بابتسامة مائلة وحاجبين مرفوعين قليلًا.
كان يشبه طلال. لا، كان طلال بعد سنتين.
على ظهر الصورة سطر واحد بخط مختلف، خط شخص لم يعرفه طلال:
«لو قرأت هذا، فأنا ما راح أكذب عليك بعد اليوم. أنا في المدينة. ماجد.»
سقطت الصورة من يد طلال على المكتب. فتح فمه ليقول شيئًا، أي شيء، لكن الكلمات لم تخرج.
في تلك اللحظة، رنّ جرس البيت.
رنة واحدة طويلة. ثم صمت. ثم رنة ثانية أطول.
التفت طلال نحو أمه، فرآها قد وقفت واقفة دفعة واحدة، وقد انفتحت عيناها على اتساعهما وارتعشت شفتاها.
قالت هامسة، وكأن الكلمات تُنتزع من صدرها:
«هذا هو... جا.»
وفي الطابق السفلي، سُمع صوت مفتاح يدور في القفل الرئيسي، ثم صرير الباب وهو ينفتح ببطء.
يتبع في الجزء الثالث...
تابع جديد محمد قنبس
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق