أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشريناكتب · انشر · نمُ
الروايات

قال المستقبل موظف وزارة الوهم

حين دخل المستقبل إلى المدينة حاملا حقيبته الجلدية المليئة بعقود الايجار والخطط الخمسية. استقبله الناس بالهتاف. فهل يصدق الغد وعوده ام انه محرد موظف متاعد يتاجر باحلامنا المؤجلة في وزارة الوهم

WASIM ALMASRIWASIM ALMASRIالكاتب 3 د للقراءة 0.00 المراجعات
قال المستقبل موظف وزارة الوهم

image about  قال المستقبل موظف وزارة الوهم قال المستقبل

حين دخل المستقبل إلى المدينة، لم يحمل بيده عصاً سحرية ولا مركبات فضائية، بل دخل مرتدياً بدلة رسمية بالية، ويحمل في حقيبته الجلدية عقود إيجار لكل شيء؛ بدءاً من الهواء الذي نستنشقه وصولاً إلى خيبات الأمل المؤجلة.

 

الحوارات في المقاهي

 

 

 

الحوارات في المقاهي بالصفير والتصفيق، تماماً كما يستقبل القطار الأعمى صوتاً يأتي من خلف السكة. وقف المستقبل على شرفة القصر البلدي، ملوحاً بيدٍ قطعت نصف أصابعها في حروبٍ وهمية، وصاح بصوتٍ مبحوح يشبه صرير الأبواب الخشبية القديمة:

 

 

الخمسية القادمة

 

 


●    ايها المواطنون.. لقد جئتكم بالخطط الخمسية القادمة، وبأعوامٍ مزهرة من الغلاء المنضبط!
جن جنون الحارة؛ فرح العجائز لأنهم وجدوا شيئاً جديداً يلعنونه بدل الطقس، وتمايل الشباب على إيقاع وعودٍ لا تُطعم عصفوراً، بينما وقف "أبو العزيمة" في آخر الزقاق ينفث دخان تبغه الرديء، ويهمس لظلّه:
●    المستقبل يا بني، ليس سوى ماضينا الذي ارتدى قميصاً نظيفاً ونسي أن يغسل قدميه.

 

 

 


مرت الأيام الأولى كثقيل الأثقال على صدور الحالمين. لم يشهد الناس من وعود الغد سوى طوابير تتسع أفقياً وعودياً حتى تقاطعت مع أحلام المارة في الطرقات.

 

طابور

 

 أصبح لكل مواطن رقم تسلسلي في طابور انتظار الفرج، ودفتر توفير يسجل فيه عدد الساعات التي سمح له فيها بالتنفس دون دفع رسم ضريبي إضافي. وفي الساحة العامة، نصبت تمثالاً ضخماً لـ "المستقبل" يظهر فيه وهو يبتسم ابتسامة باهتة بينما تخرج من حقيبته عقود رهن للأرصفة ومقاعد الحديقة.

 

 

مرسوم جديد

 

 


كان الشارع منقسماً إلى فئتين: فئة تصفق لكل مرسوم جديد يصدر عن وزارة الوهم، وفئة تجلس على دكة العجز تترقب من بعيد. وفي أحد الأمسيات، قرر "أبو العزيمة" أن يتقدم صفوف المارة ويسأل المستقبل مباشرة عن سر هذه الحقيبة الجلدية التي لا تنضب عقودها.
اقترب منه بخطى متثاقلة وقال بصوته المشحون بالتجربة:
●    يا سيادة المستقبل، جئتنا بوعود الرفاه والخطط الخمسية، فلماذا نرى جيوبنا تفرغ بينما تزداد حقيبتك امتلاءً بالصكوك؟ضحك المستقبل ضحكة جافة تشبه حفيف أوراق الشجر اليابسة، وأجابه ببرود إداري بحت:

 

 

الأمل سلعة

 


●    يا صديقي العجوز، الغد لا يأتي مجاناً؛ فالأمل سلعة مستوردة تخضع للجمارك، وكل حلم راودكم ليلاً مسجل في ميزانية الدولة تحت بند "مصاريف إضافية للخيال".
تراكمت الوعود على أرصفة العجز حتى أصبحت مقاعد مريحة للكلاب العابرة، وباتت الحوارات في المقاهي تختزل في تنهيدة طويلة. لم يأتِ الغد الموعود بشيء سوى مزيدٍ من الضرائب على الابتسام، وبات كل شيء مرخصاً ما عدا حق الاعتراض. حتى الطيور التي كانت تسكن أشجار الحارة غادرت نحو آفاق أخرى بعد أن فرضت عليها بلدية المستقبل رسوماً على التغريد العلني.

 

عتمة تقنين

 


وفي ليلة تشبه وجوه المسؤولين على شاشات التلفزة، عندما كانت الشوارع تغرق في عتمة تقنين الكهرباء المتواصل، أطل المستقبل من شرفته للمرة الأخيرة. لم تكن الشرفة ملآى بالأعلام هذه المرة، بل كانت خاوية إلا من صدى الريح وحدها.

 

 

 

 

 هبّ الجميع نحو الساحة ليرقبوا المشهد الأخير، ليكتشف الجميع وسط صدمة الصمت أن "المستقبل" لم يكن سوى موظف متقاعد في وزارة الوهم،

 

 

 

 

 

 نسي أن يغلق باب دكانه عند انتهاء دوامه العبثي، فدخلت عليه الأعوام ومضت تبيع أحلامنا في سوق الباعة الجائلين، وتتركنا فرادى على أطراف سكة الحديد ننتظر قطاراً لا يأتي أبداً.
 

تابع جديد WASIM ALMASRI

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق