أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
الروايات

مفتاح أبي: سرٌّ خبّأه في بطانة جاكيت

بعد عشرة أيام من رحيل أبيها، تعثر نورة على مفتاح صغير مخبّأ في بطانة جاكيت قديم، ليقودها إلى صندوق أمانات واسم امرأة لم تسمع به أبدًا.

محمد قنبسمحمد قنبسالكاتب 7 د للقراءة 0.00 المراجعات
مفتاح أبي: سرٌّ خبّأه في بطانة جاكيت
image about مفتاح أبي: سرٌّ خبّأه في بطانة جاكيت

مفتاح أبي:

        سرٌّ خبّأه في بطانة جاكيت

لم أكن أعرف أن الحزن يسكن الأشياء الصغيرة. ظننته يسكن العزاء، والوجوه التي ازدحم بها المجلس ثلاثة أيام، والأيدي التي تربّت على كتفي وتقول: «عظّم الله أجركم». لكنه كان ينتظرني في مكان آخر، في رائحة العود التي ما زالت عالقة بثياب أبي حين فتحتُ خزانته صباح الأربعاء، الثالث عشر من مارس.

كان قد مضى عشرة أيام على رحيله. مات أبي، عبدالله العنزي، يوم الأحد الثالث من مارس، بعد أزمة قلبية لم تمهله أكثر من ساعتين. خرج من البيت بعد صلاة الفجر ليشتري الخبز كعادته، وعاد إلينا محمولًا على الأكتاف. وحين فتحتُ الخزانة كان رمضان قد دخل يومه الثالث، والبيت يتحرك ببطء، كأنه يمشي على أطراف أصابعه خشية أن يوقظ أحدًا.

أنا نورة، في الثالثة والثلاثين، معلمة لغة عربية في مدرسة متوسطة. عشتُ حياتي كلها في هذا البيت القديم في الجابرية، وتعلمتُ من أبي أن الأشياء المرتبة تعني قلبًا مطمئنًا. ولهذا وقفتُ أمام الرفوف المرتبة بدقة لا تشبه أحدًا إلا هو: الغتر البيضاء مطوية بالمسطرة، والدشاديش معلّقة حسب اللون، وفي الزاوية جاكيته الشتوي البني القديم الذي لم يتخلَّ عنه منذ كنتُ طالبة في الجامعة.

٢

«نورة! خلّصتي؟»

جاء صوت أمي من الممر. دخلت الغرفة وهي تمسك سبحتها كأنها تتمسك بحبل نجاة، وعيناها منتفختان من قلة النوم. أمي، هيا، امرأة لا تبكي أمام أحد، لكنها منذ وفاة أبي صارت تُكثر من الصمت، وصمتها أبلغ من أي بكاء.

«لسّه يمّه. أرتّب الثياب اللي نوزّعها، والباقي نخليه.»

«ما نخلّي شي،» قالت بسرعة غير معتادة. «وزّعيه كله على المحتاجين. اللي يجلس في البيت يذكّرنا، وأنا ما أبي أتذكّر.»

«يمّه، ما صارت عشرة أيام...»

«الحيّ يبقى والميت يروح يا بنتي. خلّصيها قبل المغرب.»

خرجت قبل أن أردّ. وقفتُ أنظر إلى الباب الذي أُغلق خلفها وفي صدري انقباض لا أعرف اسمه. كانت أمي تعرف أبي أربعين سنة، وتحفظ عاداته أكثر مما يحفظها هو. فلماذا تتعجل محو آثاره قبل أن يبرد مكانه في البيت؟

٣

أخذتُ أفرغ الجيوب كما كان يطلب مني أبي في صغري. كان يقول ضاحكًا: «جيوبي بنك متنقل يا نورة، كل ما نسيت فلوس لقيتها فيها». وجدتُ مناديل ورقية، وقلم حبر ناشفًا، وعشرة دنانير مطوية في جيب دشداشة رمادية. ابتسمتُ وعيناي تدمعان.

ثم وصلتُ إلى الجاكيت البني.

كان ثقيلًا على غير العادة. مررتُ يدي على البطانة من الداخل، فاصطدمت أصابعي بشيء صلب يختبئ تحت القماش. لم يكن في جيب ظاهر، بل خلف خياطة صغيرة أُعيدت حياكتها بخيط أغمق قليلًا من لون البطانة، كأن أحدًا فتحها ثم أغلقها بيد متأنية، وهو يعرف تمامًا ما يفعل.

ترددتُ لحظة. ثم أحضرتُ مقص الخياطة من درج أمي وفككتُ الغرز واحدة واحدة.

سقط في كفي مفتاح صغير فضي، لا يزيد طوله على أصبعين، تتدلى منه بطاقة بلاستيكية باهتة مكتوب عليها بحروف مطبوعة: «214». وخلفه ورقة مطوية أربع طيّات. فتحتها بأصابع مرتجفة، فإذا هي إيصال بنكي: «تجديد إيجار صندوق أمانات سنوي – فرع السالمية – الثاني والعشرون من يناير ٢٠٢٤».

جلستُ على حافة السرير. صندوق أمانات؟ أبي؟ الرجل الذي ردّد أمامنا طوال عمره: «المال الحلال ما يُحبس في صناديق، يا يُصرف في وجهه يا يُترك لأهله». الرجل الذي لم يفتح حسابًا ادخاريًا إلا بعد سنوات من إلحاح أخي فهد. ما الذي يحتاج رجل مثله إلى إخفائه في صندوق، ثم يخبئ مفتاحه داخل بطانة جاكيت قديم، ويخيطه بنفسه؟

٤

«وش هذا بيدك؟»

لم أسمع الباب. كانت أمي واقفة عند العتبة، وعيناها مسمّرتان على كفي المفتوحة. لم أرها يومًا بهذا اللون: وجه أبيض كالجص، وشفتان تهتزان كأنها تحاول ابتلاع كلمة.

«مفتاح يمّه. لقيته في بطانة جاكيت أبوي. وهذا إيصال لصندوق أمانات في البنك. تعرفين عنه شي؟»

مرّت ثوانٍ طويلة. ثم قالت بصوت منخفض لا يشبه صوتها: «لا. ما أعرف شي.»

«بس شكلك...»

«قلت ما أعرف!» ارتفع صوتها وانكسر في منتصفه. اقتربت مني خطوتين ومدّت يدها: «عطيني إياه. وارميه يا نورة. ارميه في الزبالة، في البحر، المهم ما يبقى في البيت.»

تراجعتُ إلى الخلف وأطبقتُ أصابعي على المفتاح دون أن أشعر. «ليش؟ وش فيه؟»

«لأن اللي مات ما ينفعه شي الحين. ولأن بعض الأبواب إذا انفتحت ما تنسدّ.» توقفت فجأة كأنها سمعت نفسها، وأنزلت يدها ببطء. «الأذان بعد ساعة. نزّلي الحاجات للفطور.»

خرجت. وبقيتُ أنا والمفتاح والرائحة التي لم تعد عودًا فقط، بل صارت رائحة سرّ.

٥

على مائدة الإفطار كانت الأطباق كثيرة والشهية معدومة. جلس فهد إلى يمين أمي، أخي الأكبر ذو السابعة والثلاثين، بقميصه المكوي وساعته الثمينة وهاتفه الذي لا يفارق يده حتى وهو يأكل. فهد الذي أخذ على عاتقه كل شيء منذ وفاة أبي: المحامي، والأوراق، والحسابات، وكأنه يخشى أن يتولى غيره أمرًا.

«أمي تقول إنك ترتّبين خزانة أبوي،» قال دون أن يرفع عينيه عن التمر. «لا تفتحين أي أوراق يا نورة، ولا تلمسين مستندات. أنا متكفّل بالمحامي وبحصر الورثة.»

«ما في أوراق، بس ثياب.»

«زين.» رفع عينيه إليّ ثم أخفضهما بسرعة. «وإذا لقيتي أي شي غريب، أي شي، قولي لي أول واحد.»

«مثل إيش؟»

«مثل أي شي.»

التقت عيناه بعيني أمي لجزء من الثانية، نظرة قصيرة سريعة كالتي يتبادلها شخصان يحفظان السر نفسه. كان المفتاح في جيب عباءتي، وأحسستُ بثقله كأنه حجر. قلتُ ببساطة مصطنعة: «إن شاء الله.» وكانت أول كذبة أقولها لأخي منذ كنا صغارًا.

٦

بعد صلاة التراويح، ومع انصراف الجميع إلى النوم، دخلتُ مكتب أبي الصغير. كان يحتفظ فيه بطاولة خشبية قديمة وكرسي جلدي مهترئ ورائحة ورق وقهوة. فتحتُ الأدراج واحدًا واحدًا. الأول فيه أقلام وفواتير كهرباء، والثاني مليء بالمفكرات الصغيرة التي تعود لسنوات بعيدة. أما الدرج السفلي الذي كان يمتلئ دائمًا بالدفاتر القديمة، ولا يسمح لأحد بالاقتراب منه، فكان فارغًا تمامًا. فارغًا ونظيفًا، كأن أحدًا أفرغه ومسح أثره بعناية.

من الذي أفرغه؟ ومتى؟ وإلى أين ذهبت تلك الدفاتر؟

عدتُ إلى غرفتي ووضعتُ المفتاح أمامي على المكتب كأنه كائن حي يتنفس. وتذكرتُ آخر حديث جمعني بأبي، يوم الجمعة الأول من مارس، قبل وفاته بيومين. كنا نجلس في الحوش بعد العصر، وكان يقلّب فنجان القهوة بين أصابعه دون أن يشرب منه.

«نورة،» قال لي فجأة، «لو صار لي شي يوم من الأيام، لا تحكمين عليّ قبل ما تسمعين.»

ضحكتُ يومها وقلت: «بسم الله عليك يبه، وش هالكلام؟»

ابتسم ابتسامة لم أفهمها وقتها، ابتسامة رجل يحمل حملًا ثقيلًا ويعرف أنه سيضعه قريبًا. وقال: «كلام رجال كبر. انسيه.»

لم أنسَه. ولن أنساه الليلة، ولا بعد هذه الليلة.

٧

صباح الخميس، الرابع عشر من مارس، أخبرتُ أمي أنني ذاهبة إلى المدرسة لأسلّم أوراق الإجازة. كذبتُ عليها للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، وأنا أتجنب النظر إلى عينيها.

كان فرع البنك في السالمية شبه فارغ، يعمّه هدوء رمضان البطيء. تقدمتُ إلى موظف شاب على مكتبه لوحة صغيرة تحمل اسم «ماجد الشمري»، وقدمتُ له شهادة الوفاة وبطاقتي المدنية، ثم وضعتُ المفتاح على المكتب بيد لم أستطع تثبيتها.

«الله يرحمه ويغفر له،» قال بصدق واضح. «تبين تفتحين الصندوق؟»

«أبي أعرف أول شي باسم من هو، ومن له حق فيه.»

«يا أستاذة، فتح الصندوق يحتاج وثيقة حصر إرث من المحكمة وموافقة كل الورثة. بس خليني أشوف لك الملف.»

كتب على لوحة المفاتيح. ومرّت دقيقة طويلة. رأيتُ ملامحه تتغير بصمت، كمن يرى في الشاشة ما لم يتوقعه.

«في شي؟» سألت.

«الصندوق رقم 214 مسجّل باسمين يا أستاذة. المرحوم عبدالله العنزي... وشخص ثاني.» تردد. «وفيه ملاحظة إنه انفتح قبل أسبوع.»

«قبل أسبوع؟» تجمّدتُ في مكاني. «أبوي توفى قبل عشرة أيام!»

«صح. الدخول مسجّل يوم الأربعاء، السادس من مارس، الساعة الحادية عشرة والنصف صباحًا. بالمفتاح الثاني.»

«وأنا معي المفتاح الأول،» همستُ.

«هذا اللي أقوله.»

«ومن اللي فتحه؟»

نظر إليّ طويلًا. ثم أدار الشاشة نحوي قليلًا، وتراجع كأنه شك في تصرفه، ثم أدارها كاملة.

على الشاشة كان اسم أبي، وبجانبه اسم لم أسمعه في حياتي، بخط أسود صغير يلمع ببرود:

«سلمى سعد الحربي».

شعرتُ أن الأرض تميل قليلًا تحتي. ثلاثة أيام فقط بعد وفاة أبي، وبينما كان بيتنا يستقبل المعزّين، كانت امرأة غريبة تقف في هذا الفرع نفسه وتفتح صندوقه بمفتاح لا نعرف بوجوده.

من هي سلمى الحربي؟ وما الذي أخذته من الصندوق؟ ولماذا ارتجفت أمي من مجرد رؤية المفتاح، وأخي يسألني عن «أي شي غريب»؟

ضغطتُ بيدي على حافة المكتب وأنا أسمع صوت أبي في رأسي: «لا تحكمين عليّ قبل ما تسمعين».

لكن كيف أسمع منه الآن، وقد ترك لي مفتاحًا... واسمًا؟

يتبع في الجزء القادم...

تابع جديد محمد قنبس

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق