أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
الروايات

اصنع الخير وارمِه في البحر

في قرية هادئة على ضفاف بحيرة المنزلة، عاش الشيخ "صالح"، رجل مسن اتخذ من صيد الأسماك حرفة ومن القناعة مذهباً. لم يكن صالح يملك من الدنيا سوى قربه الخشبي الصغير وشباكٍ رثة

مصطفى ابراهيممصطفى ابراهيمالكاتب 4 د للقراءة 0.00 المراجعات
اصنع الخير وارمِه في البحر
image about اصنع الخير وارمِه في البحر

تجسد حكمة «اصنع الخير وارمِه في البحر» فلسفة العطاء الصافي الذي لا ينتظر مقابلاً من البشر، إذ يدور الزمان بدورته ليُعيد للرجل الصالح بذرة الخير التي زرعها في مكان لا يرجو منه نفعاً.

​1. لؤلؤة على شاطئ المطرية

​في قرية هادئة على ضفاف بحيرة المنزلة، عاش الشيخ "صالح"، رجل مسن اتخذ من صيد الأسماك حرفة ومن القناعة مذهباً. لم يكن صالح يملك من الدنيا سوى قربه الخشبي الصغير وشباكٍ رثة، لكنه كان يملك قلباً يتسع للجميع. كلما رزقه الله بصيد وفير، كان يقتطع الجزء الأجود منه ويضعه على رصيف الميناء للفقراء وعابري السبيل، مردداً جملته الأثيرة التي حفظها عنه الصغار والكبار: «افعل الخير يابني وارمِه في البحر.. فالخير لا يضيع عند رب البحر».

​2. اللقاء بين الشاطئ والأمواج

​في يوم خريفي تعالي فيه صوت الرياح، وبينما كان الشيخ صالح يهمّ بركوب قاربه، لاحظ شاباً غريباً يجلس على الصخور مطأطأ الرأس، يبدو عليه الإعياء والتعب الشديد. اقترب منه الشيخ واكتشف أنه طالب جامعي قادم من الصعيد يُدعى "ياسين"، قست عليه الظروف وتاهت منه نفقتة وسُرقت أوراقه، فلم يجد مأوى ولا طعاماً منذ يومين. لم يتردد الشيخ صالح، فأخذه إلى بيته البسيط، وقاسمة عشاءه الثمين، بل وأعطاه ما كان يدخره لشراء شبكة صيد جديدة ليتمكن الشاب من العودة لجامعته وإكمال دراسته.

​3. رسالة في طي المجهول

​ودّع ياسين الشيخ بدموع الامتنان، وحاول أن يسجل عنوانه ليرد له الدين فور تحسن أحواله، لكن الشيخ صالح ابتسم وهز رأسه قائلاً: «لا تسجل شيئاً يا بني.. إنما صنعتُه لله، ارمِ الخير في البحر وانسَه، وسيعود إليك يوم تحتاج إليه». غادر ياسين وهو يحمل في وجدانه درساً أخلاقياً أعمق من كل العلوم التي كان يدرسها في كلية الطب. أما الشيخ صالح، فاستمر في حياته البسيطة يخوض البحر بشباكه القديمة دون أن ينتظر خبراً أو مكافأة.

​4. عندما تهدأ الرياح وتتبدل الأحوال

​دارت الأيام بدورتها، ومرت عشر سنوات كاملة. كبُر الشيخ صالح وضعف بصره، وتأكلت أخشاب قربه القديم حتى لم يعد قادرًا على نزول البحر. تراكمت عليه الديون، وتضاعفت أوجاع المرض في جسده، حتى غدا عاجزاً عن شراء الدواء. جلس في كوخه البسيط يرقب البحر من نافذته المكسورة، يعتصر قلبه الألم لا لششيء إلا لأنه لم يعد قادراً على مساعدة أحد، ولم يعد يملك ما يسد به رمقه، لكن لسانه لم يكف عن ترديد عبارته القديمة بثقة لا تتزعزع.

​5. يدٌ تمتد من عمق الغياب

​ساءت حالة الشيخ صالح الصحية، ونُقل على أثرها إلى المستشفى المركزي في المدينة المجاورة في حالة حجة. كان الأطباء يتداولون حالته بالأسى، فالعملية الجراحية التي يحتاجها في القلب معقدة وتكلفتها باهظة جداً ولا يقدر عليها رجل معدم مثله. وبينما كان الأمل يتضاءل لدى جيرانه الذين رافقوه، دخل إلى غرفة العناية الطبيب الجراح المسؤول عن القسم، ينظر في ملف المريض الشخصي، وفجأة توقف الطبيب عن الحركة، وترقرق الدعم في عينيه وهو يقوت من الوجه العجوز الشاحب.

​6. حصاد البذرة بعد السنين

​كان الجراح الشاب هو "د. ياسين"، الذي أصبح من أكبر أطباء القلب في المنطقة. ركض ياسين نحو العجوز وقبل يديه وهو يقول: «أتعرفني يا أبايا؟ أنا الغريب الذي أطعمته وأعطيته نفقتك منذ عشر سنوات!». خاض ياسين معركة طبية استمرت لساعات داخل غرفة العمليات، متكفلاً بكافة المصاريف ومتبرعاً برعايته الشخصية، حتى أشرقت شمس يوم جديد واسترد الشيخ صالح وعيه ليجد الشاب الذي أنقذه قديماً يقف بجانبه ممسكاً بيده ليبشره بتمام شفائه.

​7. البحر يُعيد أماناته

​عاد الشيخ صالح إلى قريته ليس فقط بصحة جيدة، بل بقارب صيد جديد أهداه إياه الدكتور ياسين، مع دار رعاية صغيرة أقامها باسم الشيخ لخدمة فقراء القرية. وقوفاً على الشاطئ، والنورس يحلق فوقهما، نظر الشيخ صالح إلى أمواج البحر الهادرة وابتسم ابتسامة ملأها اليقين، ثم التفت إلى الشباب الملتفين حوله وقال: «ألم أقل لكم؟ افعلوا الخير وارموه في عمق البحر.. فإن نسيتموه، فإن أمواج الزمان لا تنسى، وستعيده إليكم مضاعفاً ولو بعد حين».

تابع جديد مصطفى ابراهيم

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق