أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
قصص النجاح

حكاية الساعة القديمة

في دكانٍ قديم تتكلم جدرانه بدقّات الساعات، بدأت حكاية عجوز طيب وفتى حزين، جمعتهما ساعة متوقفة.

aml hamdyaml hamdyالكاتب 4 د للقراءة 0.00 المراجعات
حكاية الساعة القديمة

ساعة الجد: 

image about حكاية الساعة القديمة

في حيٍّ هادئ على أطراف المدينة، كان يعيش عادل، ساعاتيٌّ عجوز ورث دكانه الصغير عن أبيه. كانت جدران الدكان مغطاة بساعات من كل نوع: ساعات حائط خشبية، وساعات جيب نحاسية، وساعات منبّهة ما زالت تدقّ منذ عقود. وكان الناس يقولون إن عادل لا يُصلح الساعات فحسب، بل يُصلح الوقت نفسه.

كان الدكان يعبق برائحة الزيت والخشب القديم، وفي كل ركن منه حكاية. فهذه ساعة جاءت من عروس لم تكتمل فرحتها، وتلك ساعة تركها جندي قبل سفره ولم يعد ليأخذها. وكان عادل يحتفظ بكل واحدة منها كأنها أمانة، يمسح غبارها كل مساء ويُدير مفاتيحها واحدة واحدة.

في صباح بارد من أيام الخريف، دخل الدكان فتى في الثانية عشرة من عمره، اسمه يوسف، يحمل بين يديه ساعة جيب قديمة متوقفة.

قال بصوت خافت: "هذه ساعة جدي. توقفت عن العمل يوم رحل، ولا أحد يستطيع إصلاحها. ذهبتُ بها إلى ثلاثة محلات، وكلهم قالوا إنها انتهت."

أخذ عادل الساعة وقلّبها بين أصابعه المتعبة، ثم فتح غطاءها الخلفي ونظر طويلاً إلى التروس الصغيرة.

قال: "لا شيء مكسور هنا يا بني. التروس سليمة، والزنبرك سليم."

سأله يوسف بدهشة: "إذن لماذا توقفت؟"

ابتسم عادل: "لأن أحداً لم يُدِر مفتاحها منذ زمن. الساعات يا يوسف تشبه الناس، تحتاج من يهتم بها كل يوم."

صمت الفتى قليلاً، ثم قال بصوت يكاد لا يُسمع: "كان جدي هو من يُديرها كل صباح. وبعد رحيله، خفتُ أن ألمسها فتنكسر."

نظر إليه عادل بحنان وقال: "الخوف من الكسر يا بني هو ما يجعلنا نخسر الأشياء. أحياناً نحميها أكثر مما ينبغي حتى تتوقف."

جلس الفتى على كرسي خشبي بجوار النافذة، وبدأ عادل يعلّمه. أراه كيف يُدار المفتاح بلطف، وكيف يُصغى إلى نبض الساعة، وكيف تُنظَّف التروس بفرشاة دقيقة. صار يوسف يأتي كل يوم بعد المدرسة، وتعلّم أن الصبر أهم أدوات الساعاتي.

وفي الأسابيع التالية، تغيّر يوسف. صار يستيقظ مبكراً ليصل إلى الدكان قبل أن يفتح عادل بابه، وصار يحفظ أسماء الأدوات ومواضعها. وكان أهل الحي يمرّون ويرون الفتى منحنياً فوق الطاولة، فيبتسمون ويقولون: "عادل وجد وريثه أخيراً."

وذات مساء، أخطأ يوسف وضغط على زنبرك صغير فانكسر بين أصابعه. احمرّ وجهه وارتجفت يداه، وظن أن عادل سيغضب. لكن العجوز اكتفى بالضحك وقال: "أول ساعاتي كسر زنبركاً كان أبي، وأنا كسرت عشرة. الخطأ جزء من الصنعة يا بني، المهم أن تعرف كيف تبدأ من جديد." ثم ناوله زنبركاً جديداً، وعلّمه كيف يركّبه بهدوء.

ومرّت ليالٍ كان فيها يوسف يبقى بعد الإغلاق، يستمع إلى دقّات الساعات وهي تتناغم في الدكان كأنها جوقة صغيرة. قال له عادل ذات ليلة: "هل تسمع؟ لا تتفق ساعتان على اللحظة نفسها تماماً. لكنها مع ذلك تُكمل بعضها. هكذا هم الناس أيضاً."

مرّت الشهور، وجاء الشتاء بمطره وبرده. وفي ليلة ممطرة، أصيب عادل بالتعب وجلس على كرسيه صامتاً. أسرع يوسف ليُحضر له كوب شاي ساخن، ثم جلس بجانبه حتى هدأ.

قال العجوز: "أتدري يا يوسف؟ ظننتُ طوال عمري أنني أُعلّم الناس إصلاح الساعات، لكنني كنت في الحقيقة أنتظر من يتعلّم كيف يحفظ ما أحببتُه."

لم يعرف الفتى ماذا يقول، فاكتفى بأن أمسك بيد الرجل العجوز.

وفي مساء آخر، جاء يوسف إلى الدكان وعيناه تلمعان. أخرج من جيبه ساعة جده وقال: "انظر يا عم عادل."

كانت الساعة تدقّ بانتظام، ثابتة وواضحة، كأن قلباً صغيراً عاد إلى الحياة.

سأله عادل بهدوء: "من أدار مفتاحها؟"

أجاب يوسف: "أنا. أديره كل صباح منذ أسبوع، كما علّمتني."

وضع العجوز يده على كتف الفتى وقال: "الآن صرتَ ساعاتياً حقيقياً. لم تُصلح الساعة فقط، بل حفظت ذكرى جدك حيّة."

وبعد أشهر قليلة، رحل عادل في هدوء كما عاش. وجد أهل الحي دكانه مفتوحاً في صباح اليوم التالي، وكان يوسف جالساً خلف الطاولة، يُدير مفاتيح الساعات واحدة واحدة، ودموعه تسيل بصمت. لم يُغلق الدكان ولا يوماً واحداً بعد ذلك.

بعد سنوات، كبر يوسف وصار اسمه معروفاً في المدينة كلها. لكنه لم ينتقل إلى مكان آخر، بل بقي في الدكان نفسه، وعلّق على الجدار خلف مكتبه ساعة جيب قديمة، وتحتها لوحة صغيرة كتب عليها: "الوقت لا يتوقف ما دام هناك من يهتم به."

وفي كل صباح، قبل أن يفتح الباب للزبائن، كان يُدير مفتاح تلك الساعة بلطف، ويبتسم لصوت دقّاتها، ويهمس كأن أحداً يسمعه: "صباح الخير يا عم عادل."

تابع جديد aml hamdy

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق