في هذا المقال
الرسالة التي وصلت متأخرة عشرين عاما*

كان هناك رجل عجوز اسمه الحاج صالح يجلس كل يوم في تمام الساعة الخامسة مساء على نفس الكرسي الخشبي في محطة القطار القديمة في قريته الصغيرة. لم يكن ينتظر قطارا. كان ينتظر رسالة.
قبل عشرين عاما، تشاجر صالح مع ابنه الوحيد كريم. كريم كان شابا يحلم بالسفر ليصبح مهندسا كبيرا في المدينة، لكن صالح كان يراه طيشا. قال له صالح كلمات قاسية. قال له اذا خرجت من هذا الباب فلا تعد أبدا. كريم لم يرد بكلمة واحدة. حمل حقيبته القماشية ونظر نظرة أخيرة إلى أمه التي كانت تبكي بصمت في المطبخ وخرج. لم يلتفت وراءه. صوت إغلاق الباب لا يزال يرن في أذن صالح حتى اليوم.
مرت الأيام ثقيلة. الأم الحنونة ماتت بعد سنة واحدة فقط من الحزن. قال الطبيب إن قلبها لم يتحمل الفراق. وبقي صالح وحيدا تماما في البيت الطيني الكبير الذي أصبح باردا بدون ضحكة كريم. حاول صالح أن يرسل مرسالا إلى المدينة ليسأل عن كريم، لكن أحدا لم يجده.
في السنة الخامسة من الغياب، جاء ساعي البريد برسالة صفراء. كانت من كريم. فتحها صالح بيد مرتعشة. كتب فيها بخط مرتجف. أبي الحبيب، سامحني على كل شيء. أنا الآن أصبحت مهندسا كما حلمت. تزوجت ورزقت بطفلة اسميتها على اسم أمي الغالية. أريد أن أعود إلى حضنك. سآتي يوم الجمعة القادم في قطار الساعة الخامسة مساء. انتظرني على محطة قريتنا. ابنك المشتاق كريم.
صالح لم يصدق عينيه. بكى لأول مرة منذ سنوات بصوت عال. ذهب واشترى جلبابا جديدا وحلوى كثيرة لابنته الصغيرة التي لم يرها أبدا. يوم الجمعة، جلس من الساعة الثانية ظهرا على كرسي المحطة. القطار جاء في الخامسة. نزل كل الناس ولم ينزل كريم. وجاء قطار آخر في السادسة. لم ينزل كريم. جلس حتى منتصف الليل في البرد وعاد يجر خيبته.
ظن صالح أن كريم خدعه. لكن الحقيقة الموجعة كانت أن كريم كان في ذلك القطار بالفعل. تعرض لحادث سير وهو في طريقه إلى محطة المدينة ونقل إلى المستشفى في غيبوبة وفقد الذاكرة لشهور طويلة. عندما استعاد ذاكرته، خجل أن يكتب مرة أخرى ظنا أن أباه لن ينتظره بعد أن تخلف عن الموعد.
ومنذ ذلك اليوم، أصبح صالح يأتي كل يوم في الخامسة مساء بدون انقطاع. كل أهل القرية يعرفون قصته المؤلمة. كان يقول لهم بابتسامة حزينة ابني سيأتي اليوم.
كبر صالح كثيرا. انحنى ظهره وابيض شعره وضعف بصره. لكنه لم يتأخر يوما واحدا عن موعده. كان يمسح الكرسي الخشبي المتآكل بيديه ويجلس وينظر إلى نهاية سكة القطار.
في شتاء هذا العام القاسي، كان البرد قارسا والمطر ينهمر بغزارة. صالح جلس كعادته يرتجف لكنه ثابت. قطار الخامسة وصل متأخرا بسبب المطر. نزل رجل أربعيني يمسك بيد فتاة صغيرة في العاشرة. الفتاة كانت تحمل صورة قديمة بالأبيض والأسود. اقتربت بخطوات خجولة من العجوز وقالت بصوت خافت جدي.
صالح رفع رأسه بصعوبة. الرجل الأربعيني انحنى فجأة على ركبتيه وقبل رأسه ويديه وهو يبكي بحرقة وقال أبي أنا كريم تأخرت عليك كثيرا جدا سامحني.
صالح لم يتكلم. عيناه امتلأتا بالدموع التي حبسها عشرين سنة. حاول أن يقف لكن ساقيه لم تحملاه. كريم احتضنه بقوة كأنه يريد أن يعوضه عن كل السنين. قال له صالح بصوت متقطع كنت أنتظرك كل يوم يا ولدي.
في تلك اللحظة، ابتسم صالح ابتسامة صافية رضية لأول مرة منذ عشرين عاما. وضع رأسه ببطء على كتف ابنه وأغمض عينيه بهدوء وسلام. مات. مات وهو جالس على نفس الكرسي الخشبي الذي انتظره عليه عشرين سنة كاملة. مات في اللحظة التي اكتمل فيها انتظاره وتحقق حلمه أخيرا.
دفنه كريم بجانب أمه الحبيبة. ووضع الكرسي الخشبي القديم فوق قبره وكتب عليه لوحة صغيرة. هنا يرقد رجل علمني أن الحب الحقيقي هو أن تنتظر حتى لو لم يأت أحد أبدا.
الفتاة الصغيرة أصبحت كل جمعة تأتي وتضع وردة بيضاء على الكرسي وتقول بصوت بريء لجدي صالح قطار الخامسة وصل يا جدي. لكن القطار هذه المرة لم يعد يهم أحدا.
تابع جديد عبدالرحمن
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق