في هذا المقال
القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود
كان ياما كان، في إحدى القرى المصرية الهادئة المشهورة بحقولها الخضراء وبساتين النخيل، يعيش صديقان منذ الصغر: "حسن" و"سامح". ورث الصديقان عن آبائهما ورشتين متجاورتين لصناعة الأثاث الخشبي. ورغم شراكتهما في الجوار والجيرة، إلا أن طريقة تفكير كل منهما في إدارة شؤون الحياة والمال كانت مختلفة تماماً.
1. فلسفة حسن في التدبير والادخار
كان حسن رجلاً يزن الأمور بميزان العقل والتدبير؛ يعلم أن الأيام لا تسير على نمط واحد، وأن للزمان تقلبات لا ينبغي إهمالها. كسب حسن قوتاً وفيرًا من عمله في الورشة، لكنه لم يكن يفرط في الإنفاق. كان يقتطع جزءاً ثابتاً من أرباحه الأسبوعية ويضعه جانباً في صندوق خشبي صغير، يردد دائماً لزوجته وأولاده: "الحركة بركة، والقرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود". لم يكن حسن بخيلاً، بل كان واعياً؛ يشتري ما يحتاجه بيته ويستثمر ما يتبقى في تطوير أدواته وحفظ القرش للأيام العجاف.
2. حياة البذخ والتفريط عند سامح
على الجانب الآخر، كان سامح يتبنى فلسفة مغايرة تماماً. كان يرفع شعار "اصرف ما في الجيب، يأتيك ما في الغيب" دون إدراك لجوهر السعي والتحوط. كلما جلب الشغل لسامح أرباحاً جيدة، سارع إلى إنفاقها بالكامل على المظاهر والرفاهيات والولائم اليومية. كان يرى في تدبير حسن نوعاً من الخوف غير المبرر من المستقبل، وكان يمازحه قائلاً: "يا حسن، العيش لحظة، فلماذا تحرم نفسك اليوم من أجل غدٍ لا نعرفه؟" فكان حسن يبتسم بحكمة ويجيبه: "الاحتياط واجب، والأيام دواليب يا صديقي".
3. الأزمة المفاجئة والركون إلى الركود
مرت الأيام والسنوات، وحلّ بالبلدة عامٌ جاف قلّت فيه حركة البيع والشراء، وركدت السوق بشكل غير متوقع. أغلقت معظم المعارض أبوابها، وقلّ الطلب على الأثاث، وأصبحت ورش القرية تعاني من نقص السيولة وتراكم الديون. لم تعد الطلبيات تأتي كما كانت من قبل، وجاء الشتاء شديداً ومصحوباً بركود اقتصادي ألقى بظلاله على الجميع، لتجد الورش نفسها أمام اختبار حقيقي لا يرحم الكسالى أو غير الاستباقيين.
4. الرياح العاتية تضرب بيت سامح
سريعاً ما وجد سامح نفسه في مهب الريح؛ إذ لم يكن يملك أي رصيد أو ادخار يسنده في هذه الأزمة. بدأت الفواتير تتراكم عليه، وأصبح عاجزاً عن شراء المواد الخام لورشته، بل وحتّى عن توفير المتطلبات الأساسية لبيته وأسرته. اضطر سامح لاستدانة الأموال من التجار والمحلات المجاورة، حتى أغلقت في وجهه كل أبواب الائتمان، وأصبح الهمّ يلاحقه ليلاً ونهاراً، واستشعر مرارة العوز والقلة بعد أن كان بيته عامراً بالخيرات السطحية التي تبخرت في لحظات.
5. الصندوق الخشبي ونجاة حسن
في المقابل، لم تكن الأزمة سهلة على حسن، لكنه استطاع مواجهتها بصلابة وثبات. فتح حسن صندوقه الخشبي الذي ادخر فيه "القرش الأبيض" على مدار السنوات الماضية. استخدم هذه الأموال المدخرة بحكمة؛ فمنها أنفق على بيته وأسرته دون أن يشعرهم بالضيق، ومنها اشترى خامات خشبية بأسعار مناسبة واستغل فترة الركود في صيانة معدات ورشته وتطوير تصاميم جديدة. لقد كان ذلك الرصيد المالي المخبأ هو الطوق الذي أبقاه طافياً فوق أمواج الأزمة العاتية.
6. يد العون والدرس المستفاد
عندما علم حسن بالضائقة الشديدة التي يمر بها صديق عمره سامح، لم يتردد لحظة في الوقوف بجانبه. زاره في ورشته ومدّ له يد العون، متكفلاً بتقديم مبلغ مالي يساعده على سداد ديونه العاجلة وتشغيل ورشته من جديد. بكى سامح متأثراً بكرامة صديقه وشهامته، وقال له بندم: "لقد كنتَ على حق يا حسن، وأنا من أغلقت عيني عن حقيقة الحياة. أدركت اليوم قيمة كل قرش حُفظ في أيام الرخاء".
7. حكم وعبرة للأجيال
مرت الأزمة وعادت الحياة إلى طبيعتها، لكن الدرس بقي حافراً في أذهان الجميع. أصبح سامح أول الداعين إلى الادخار والعمل الجاد، وتعلم أن الحكمة ليست في كثرة ما نكسبه، بل في كيفية إدارته واستغلاله للوقت المناسب. وصار أهل القرية يضربون بقصة حسن وسامح المثل لكل شاب يبدأ حياته العملية، مؤكدين أن التدبير نِصْفُ العيش، وأن العمل والجهد يحتاجان دائماً إلى حكمة وحسن إدارة، فالأيام تتقلب، و"القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود".
تابع جديد مصطفى ابراهيم
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق