في هذا المقال
مستعمرة رونوك.. البداية التي انتهت بلغز
حلم الاستقرار في أرض جديدة
في عام 1587، قاد الإنجليزي جون وايت مجموعة من المستوطنين إلى جزيرة رونوك، الواقعة في المنطقة التي تُعرف اليوم بولاية كارولاينا الشمالية في الولايات المتحدة. كان هدفهم تأسيس مستوطنة إنجليزية جديدة، لكن الحياة في تلك المنطقة لم تكن سهلة؛ فالمستوطنون احتاجوا إلى الطعام والإمدادات، كما واجهوا صعوبات في التعامل مع الظروف المحيطة بهم.
كان من بين المستوطنين رجال ونساء وأطفال، وكانت عائلة جون وايت نفسها جزءًا من الرحلة. وفي تلك الفترة، وُلدت حفيدته فيرجينيا دير، التي ارتبط اسمها لاحقًا بقصة المستعمرة المفقودة.
رحلة العودة التي طالت أكثر مما توقعوا
مع تزايد الحاجة إلى المؤن والمساعدة، وافق جون وايت على العودة إلى إنجلترا لإحضار الإمدادات اللازمة. لم يكن يتوقع أن تتحول رحلته المؤقتة إلى غياب طويل، لكنه واجه ظروفًا سياسية وعسكرية صعّبت عودته، خاصة مع تصاعد الصراع بين إنجلترا وإسبانيا.
مرت الشهور ثم السنوات، ولم يتمكن وايت من العودة إلى رونوك إلا في عام 1590. وطوال تلك الفترة، ظل مصير المستوطنين الذين تركهم خلفه مجهولًا، ولم تكن لديه وسيلة مؤكدة لمعرفة ما حدث لهم.
العودة إلى مكان لا يسكنه أحد
عندما وصل وايت أخيرًا إلى الجزيرة، كانت المفاجأة أكبر مما تخيل. لم يجد المستوطنة كما تركها، ولم يظهر أي شخص لاستقباله. بدا المكان مهجورًا، واختفت المباني التي كان يتوقع أن يجدها، لكن الأمر الأكثر إثارة للحيرة أنه لم يعثر على دليل واضح يشرح مصير السكان.
لم يكن هناك ما يكفي للجزم بأنهم تعرضوا لهجوم أو ماتوا جميعًا. وفي الوقت نفسه، لم يكن هناك ما يؤكد أنهم غادروا إلى مكان آمن. كل ما وجده وايت كان آثارًا قليلة، لكنها كانت كافية لفتح باب طويل من الأسئلة.
كلمة واحدة أشعلت اللغز
وسط المكان المهجور، وجد وايت كلمة «CROATOAN» محفورة على أحد الأعمدة الخشبية، كما عثر على الحروف «CRO» محفورة على شجرة.
لم تكن الكلمة عشوائية بالنسبة إليه؛ فقد كان اسم كرواتوان مرتبطًا بجماعة من السكان الأصليين وبمكان قريب من الجزيرة. وكان وايت قد اتفق مع المستوطنين على ترك علامة تدل على وجهتهم إذا اضطروا إلى المغادرة أثناء غيابه.
لذلك اعتقد أن المستوطنين ربما انتقلوا إلى هناك، بدلًا من أن يكونوا قد اختفوا في ظروف كارثية. لكن هذه الفكرة ظلت احتمالًا، ولم تكن دليلًا نهائيًا على ما حدث.
ما النظريات التي حاولت تفسير اختفائهم؟
ظهرت على مدار القرون عدة تفسيرات محتملة. من بينها أن المستوطنين انتقلوا للعيش مع جماعات محلية، أو أنهم غادروا الجزيرة بحثًا عن الطعام والأمان. وهناك فرضيات أخرى تتعلق بنقص المؤن والمرض والظروف الجوية القاسية.
لكن المشكلة أن الأدلة المتاحة لا تحسم أيًا من هذه الاحتمالات بصورة قاطعة. وحتى العثور على آثار أوروبية في بعض المناطق القريبة لا يكفي وحده لإثبات أن أصحابها كانوا من سكان مستعمرة رونوك؛ فقد تكون تلك الآثار وصلت إلى هناك بطرق أخرى.
لماذا بقيت القصة لغزًا حتى اليوم؟
بعد اكتشاف الكلمة المحفورة، أراد جون وايت التوجه إلى كرواتوان للبحث عن المستوطنين، لكن سوء الأحوال الجوية ومشكلات الرحلة البحرية حالت دون إتمام البحث كما أراد. وعاد إلى إنجلترا من دون إجابة مؤكدة عن مصير عائلته وبقية السكان.
وهكذا أصبحت رونوك تُعرف باسم «المستعمرة المفقودة». وما يجعل قصتها مثيرة للاهتمام ليس مجرد اختفاء مجموعة كبيرة من الناس، بل غياب الدليل الحاسم الذي يمكنه الفصل بين النظريات المختلفة.
ربما غادر المستوطنون المكان وبدأوا حياة جديدة في منطقة أخرى، وربما واجهوا ظروفًا لم يتمكنوا من التغلب عليها. وحتى الآن، لا توجد إجابة نهائية مثبتة تشرح مصير المجموعة بالكامل.
إن قصة رونوك تذكّرنا بأن التاريخ لا يحتفظ دائمًا بإجابات واضحة؛ ففي بعض الأحيان، تظل كلمة واحدة محفورة على قطعة خشب هي الأثر الأبرز لحكاية كاملة لم نعرف نهايتها بعد.
تابع جديد kirolos sameh
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق