في هذا المقال
قبل أن تبدأ القراءة، أريد أن أنبّهك: لا تكره أحدًا من أفعاله، وحاول ألّا تبكي؛ فلكل شخصية في هذه الحكاية قصة مختلفة، ولا تحكم على أحد.
اقترب يا صاحبي، ودع فنجانك يبرد؛ فهذه حكاية لا تُروى على عجل.
سأحدثك عن رجل لقبوه «نصل الظل»، وعن فتى ظل يفتش عن أخيه في وجوه القتلى، وعن ليلة سقط فيها قناع فسقطت معه حياة كاملة. ولن أخدعك: ستجري في هذه الحكاية دماء كثيرة، لكن الدم أخف ما فيها. أثقل ما فيها سؤال واحد طالما أرقني: ماذا يبقى من الإنسان إذا سرقوا ذاكرته؟ أيبقى اسمه؟ أم وجهه؟ أم يبقى، في مكان سحيق لا تصل إليه يد، شيء أصدق من الاثنين؟
ولكي تفهم ما سيأتي، لا بد أن نبدأ من حلم. ليس حلمي ولا حلمك، بل حلم رجل له اسمان: اسم منحوه إياه، واسم سرقوه منه. وسأخبرك لماذا هو حلمه، لكن بعد أن تسمعه.
الحلم
لا أعرف إن كان ما سأرويه قد حدث فعلا، أم أن عقلي اخترعه ليخفف وحشة لياليّ. أعرف فقط أنه يزورني كلما أغمضت عينيّ، كما يزور الضوء غرفة هجرها أهلها.
كان الجميع يحبونني، وكنت أكره الجميع. هذه هي المفارقة التي عشت فيها: يبتسمون لي في الممرات، ويفسحون لي الطريق، ويتمنون أن ألتفت إليهم؛ وأنا أرى خلف الابتسامات حسابات صغيرة وأيدي تمتد إلى ما أملك. ومن يحبه الجميع وهو يكرههم أشد وحدة ممن يكرهه الجميع.
وكانت هناك فتاة اسمها مروة، يكرهها الناس كلهم. لم أفهم لماذا، ولعلهم لم يفهموا أيضا؛ فالبشر يكرهون من لا يشبههم لأن الكراهية أيسر عليهم من الفهم.
ثم دخلت حياتي بلا استئذان. وقفت أمامي كأنها تعرفني منذ سنين، وكلمتني كما لا يكلمني أحد: لم تتودد ولم تتملق ولم تخف. كانت تنظر إليّ لا إلى اسمي ولا إلى قوتي ولا إلى ذكائي. وللمرة الأولى في حياتي شعرت أنني مقبول؛ لا لأنني قوي أو ذكي، بل لأنني أنا.
وفجأة اخترق شيء صدري دون أن يطرق بابا. كان قلبي يدق بسرعة، وكانت تلك أول مرة أعرف فيها أن في صدري قلبا يدق، وأن لي مشاعر أصلا. يا لتلك اللحظة، كم كانت جميلة! كأن العالم الرمادي كله انحنى قليلا ليمنحني لونا واحدا. وكنت، من فرط الدهشة، لا أصدق أنني أحدثها حقا.
ثم يذوب كل شيء كما يذوب الندى حين تشرق الشمس على وجهه، وأستيقظ على الفراغ نفسه.
هذا هو حلمه يا صاحبي، وهو حلمه هو بالذات لأنه الوحيد في حكايتنا الذي يحلم بما لا يعلم أنه عاشه. لقد سرقوا ذاكرته في النهار، لكن الذاكرة لص أمهر منهم جميعا؛ تنتظر حتى ينام السجان ثم تتسلل من نافذة الليل. وهو لا يبكي في النهار قط، أما في الليل فللذاكرة حكم آخر. وقديما بكى امرؤ القيس على ذكرى، فصار مطلعه علامة على كل حنين جاء بعده:
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ
تابع جديد Kay Rxs
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق