أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
الروايات

على حافة الخطأ ج1

ادعى ( سامر ) ، و هذا ما استطعت قوله ،لا لأنني لا أستطيع الكلام ، بل عاجز عن الكلام . حاولتُ مرارًا، فتحتُ فمي لكن الصوت لم يخرج. أمي تنادي عليّ من المطبخ، وأنا أسمعها كأنها بعيدة، بعيدة جدًا، وكأن جدارًا سميكًا يفصل بيني وبين العالم كله.

Mohamed YounisMohamed Younisالكاتب 3 د للقراءة 0.00 المراجعات
على حافة الخطأ ج1

يداي أمامي، أحدّق فيهما ولا أصدق أنهما يداي. قبل ساعتين فقط كانتا عاديتين، تفعلان ما أطلبه منهما دون تفكير.

الآن أشعر أنهما تخصان شخصًا آخر، شخصًا لا أعرفه، شخصًا قام فعلٍ ما لا يُغتفر.ألقيت بجسدي على السرير متأملا سقف غرفتي المشقوق ، أتبادل النظرات مع سقف غرفتي و كلانا يقسم أن الإنهيار قريب . 

شعرتُ أن الصمت بدأ يخنقني أكثر مما يحميني، وأن كل ثانية أمرّ بها دون أن أتكلم تجعل الحمل أثقل على صدري. أخذتُ نفسًا عميقًا، وشعرتُ فجأة أن السكوت لن يمحو ما حدث، وأن الوحيد الذي يمكنه أن يخفف هذا الثقل هو أن أقول الحقيقة كما هي.

نهضت من على السرير من ثم اتجهت إلى الباب و قمت بفتحه ثم قمت بفتح فمي و كان جافا جدا كقبوٍ لم ير نور الشمس منذ سنوات .قلت بصوت متهدج، بالكاد يخرج من حلقي: “تعالي يا أمي... لا بد أن أخبرك شيئا.”دخلت أمي، وعيناها تحملان القلق. أخذت نفسًا آخر، وبدأت بسرد ما جرى ....…كما قلت من قبل ادعى (سامر)، عمري تسعة عشر عامًا، وقصتي ليست كالقصص التي تُروى في الأفلام حيث يكون البطل شريرًا منذ البداية.

 أنا لست شريرًا. أنا فقط كنت شابًا يبحث عن طريق يخرجه من الضيق الذي أحاط ببيتنا كحبل مشدود حول الرقبة.كان والدي قد فقد عمله قبل عامين، ومنذ ذلك الحين تحولت حياتنا إلى معادلة صعبة: مصاريف تكبر، ودخل يتقلص. كنت أرى في عيني أمي ذلك القلق الصامت كل ليلة، وهي تحسب الفواتير على أصابعها وكأنها تحسب خطواتها في طريق مظلم لا تعرف نهايته.جربت كل شيء. عملت في محل بقالة، وزعت طلبات توصيل على دراجتي حتى تهرأت إطاراتها، وبعت بعض أغراضي القديمة. لكن كل هذا كان كمن يحاول ملء بئر عميقة بقطرات ماء.

 كنت أشعر أن الحياة تضحك مني من بعيد، وتقول: “مهما حاولت، لن تصل.”في تلك الأثناء، بدأت أبحث عن "فرص" أكبر. في هذا العالم الرقمي المزدحم بالوعود البراقة، وجدت إعلانات تتحدث عن "دخل إضافي سريع"، و"عمل بسيط لا يتطلب خبرة". كنت أعرف في قرارة نفسي أن بعض هذه الطرق مشبوهة، لكن الحاجة أحيانًا تُعمي البصيرة، وتجعل الإنسان يقنع نفسه بأن “الأمر بسيط، ولن يتكرر”منذ شهر ونصف تقريبًا، التقيت بشخص يُدعى "أبو نضال".

 كان رجلاً في الأربعينيات من عمره، أنيق المظهر، هادئ الصوت، يتحدث بثقة من يعرف كل شيء عن هذا العالم. قابلته أول مرة في مقهى صغير قرب الميناء، بعد أن تواصل معي أحد معارفي وقال إن "أبو نضال يبحث عن شباب موثوقين لعمل نقل بضائع".جلسنا معًا، وقدّم لي عرضًا بدا في حينه كحلم يتحقق: "توصل شحنات من الميناء إلى نقاط معينة، والمقابل مجزٍ جدًا، أفضل من أي وظيفة ستجدها في هذه المدينة." كانت عيناه تلمعان وهو يتحدث، وكأنه يقرأ خارطة طريق نحو مستقبل أفضل لي.قبلت. لم أفكر كثيرًا، فالمبلغ الذي عرضه كان يعادل راتب شهر كامل مقابل رحلة واحدة فقط. بدأت العمل معه: أستلم شاحنة صغيرة من نقطة معينة قرب الميناء، وأوصلها إلى عنوان محدد في مدينة أخرى، دون أن أسأل كثيرًا عمّا بداخلها. كان "أبو نضال" يقول دائمًا: "كلما سألت أقل، ربحت أكثر وعشت أطول." كانت هذه الجملة تتردد في أذني كجرس إنذار خافت، لكنني كنت أُسكته في كل مرة بصوت أعلى: صوت الحاجة.مرت الأسابيع الأولى بسلاسة. كنت أعود إلى البيت بمبالغ لم أكن أحلم بها، وأرى الفرح البسيط يعود إلى وجه أمي حين أساعدها في المصاريف. كنت أقنع نفسي أن ما أفعله هو مجرد "نقل بضائع"، وأن الأمر لا يعنيني إن كان هناك ما هو أبعد من ذلك.

لكن الأقنعة لا تدوم طويلًا.

تابع جديد Mohamed Younis

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق