في هذا المقال
الفصل الأول: اللقاء
كانت هناك قرية صغيرة في مكان بعيد، تحيط بها الزروع والخضراوات المبهجة، وتدور حولها الأنهار الصافية، وتنتشر بها البيوت البسيطة التي تعكس هدوء الحياة وجمالها. وعلى الرغم من بساطة أهلها، كان لكل بيت حكاية، ولكل قلب سر وحلم لا يعرفه أحد.
ومن بين تلك البيوت، كان هناك بيت صغير يعيش فيه حسان وابنه علي بمفردهما، بعد أن رحلت الأم وتركت خلفها قلبين حزينين لم يعتادا الحياة من دونها. كان حسان يحاول دائمًا أن يعوض ابنه عن غياب أمه، أما علي، فكان متعلقًا بأبيه تعلقًا شديدًا، فقد كان ابيه ,صديقه ,سنده ومصدر أمانه الوحيد.
اعتاد الاثنان أن يستيقظا في الصباح الباكر، فيذهبا إلى البحيرة ليصطادا الأسماك، ثم يتوجها إلى السوق لبيعها، وبعدها يعودان إلى البيت ليتناولا طعامهما معًا ثم يذهب كلا منهما الى النوم, كانت حياتهما بسيطة وروتينية، لكنها كانت مليئة بحب صادق ,حيث لا ينتظر المحبوب مقابلا لحبه.

وفي يوم من الأيام، اشتد المرض على حسان، فلم يستطع النهوض من فراشه كعادته. نظر إلى ابنه وقال بصوت متعب:
«يا علي، اذهب اليوم إلى البحيرة بمفردك يا بني، فلعلني أتحسن بحلول المساء».
أجابه علي بقلق:
«حاضر يا أبي، ولكن أرجوك أن ترتاح، وسأعود سريعًا».
حمل علي أدوات الصيد وانطلق نحو البحيرة. وما إن وصل حتى جلس في مكانه المعتاد، وأخذ يغني بصوته العذب بينما ينتظر أن تمتلئ شبكته بالأسماك. كان الجو هادئًا، والنسيم يداعب وجهه الحنطي،ويحرك شعره الاسود الناعم, والشمس تلمع بعيناه السوداويتين ,و تنعكس على سطح الماء حتى جعلته يبدو كمرآة من ذهب.
وبعد أن انتهى من الصيد، التفت علي ليستعد للرحيل، لكنه تجمد في مكانه حين وقعت عيناه على فتاة لم يرَ مثلها من قبل.
كانت جميلة كالبدر، تتدلى خصلات شعرها الذهبية حول وجهها، وتلمع عيناها العسليتان بصفاء غريب. أما ملابسها، فكانت أنيقة وراقية، توحي بأنها تنتمي إلى عالم مختلف تمامًا عن عالم تلك القرية البسيطة.
ظل علي ينظر إليها للحظات، حتى أفاق من شروده حين سمع صوتها الرقيق يسأله:
«ما اسمك؟»
أجابها مرتبكًا:
«اسمي علي، وأنتِ؟ من أنتِ، وماذا تفعلين هنا؟ لا يبدو أنكِ من هذه القرية».
ابتسمت الفتاة وقالت:
«كنت في طريقي إلى الحديقة لأقطف بعض التوت، وسمعت صوتك فأعجبني، فتوقفت لأستمع إليك».
ابتسم علي، وكان على وشك الرد، لكن صوت امرأة قاطع حديثهما:
«هيا يا حورية، لقد تأخرنا!»
التفتت الفتاة نحوها، ثم عادت تنظر إلى علي وقالت بابتسامة هادئة ومتوترة:
«يجب أن أذهب الآن، ولكن ساعود……حتما ساعود».
لم يعرف علي بماذا يجيبها، فاكتفى بابتسامة، بينما ابتعدت هي برفقة المرأة حتى اختفت عن الأنظار.
ظل واقفًا في مكانه، يردد اسمها في نفسه:
«حورية…. أنتِ فعلًا حورية، حوريتي».
ثم وضع يده على صدره متسائلًا:
«ما هذه المشاعر التي أشعر بها؟ وما الذي حل بي؟ أيمكن أن يحدث كل هذا في لقاء واحد؟»
عاد علي إلى البيت، وقبّل يد أبيه كعادته، وتناولا الطعام معًا، ثم ذهبا للنوم. لكن النوم لم يعرف طريقه إلى عينيه تلك الليلة؛ فقد ظل يفكر في حوريته وهو يتقلب في سريره، وفي ابتسامتها، وعينيها، وصوتها الذي ظل يتردد في أذنيه. وكان أكثر ما يشغل تفكيره وعدها بأنها ستعود يوما ما.
ومع بزوغ الفجر،خرج من غرفته على صوت أبيه يناديه. اقترب منه وقبّل يديه قائلًا:
«صباح الخير يا أبي العزيز».
أجابه حسان:
«صباح الخير يا بني, وكانك لم تنم لحظه؟!!
ابتسم علي وقال:
«لا تقلق انا بخير».
«علي، أود أن أخبرك بشيء مهم».
جلس علي بجواره وقال:
«قل يا أبي، كلي آذان صاغية».
تنهد حسان وقال:
«لا أريد أن أرحل عن الدنيا وأنا قلق عليك يا بني. أريد أن أطمئن أنك ستستطيع مواجهة الحياة من بعدي، فأنا أثق بك وأعلم بأنك لن تخذلني».
امتلأت عينا علي بالدموع، وأمسك بيد أبيه قائلًا:
«لماذا تقول هذا يا أبي؟ ستعيش،من لي غيرك؟»
ربت حسان على يده بحنان وقال:
«الأعمار بيد الله يا بني، لكنني أريدك قويًا مهما حدث».
فاجابه بحب:
«اعدك يا ابي».
خرج علي متجهًا إلى البحيرة، وقلبه يملؤه الأمل. جلس في مكانه المعتاد، وظل يتلفت حوله منتظرًا ظهور حورية، لكنها لم تأتِ.
أقنع نفسه بأنها ربما تأخرت، وأنها ستأتي في أي لحظة، لكنه انتظر طويلًا دون جدوى. وفي اليوم التالي، عاد إلى المكان نفسه، ثم في اليوم الذي يليه، وفي كل مرة كان يحمل معه الأمل ذاته، ويعود بقلب أكثر حيرة.
ثلاثة أيام كاملة مرّت، وحورية لم تأتِ.
وبدأ علي يتساءل إن كانت قد نسيت وعدها، أم أن هناك شيئًا منعها من العودة. حاول أن يقنع نفسه بأن لقاءهما لم يكن سوى صدفة عابرة، لكنه لم يستطع أن ينسى عينيها ولا صوتها.
وفي اليوم الثالث، جلس أمام البحيرة وقت الغروب، يراقب انعكاس الشمس على الماء، ثم همس بحزن:
«هل كنتِ مجرد حلم جميل يا حورية؟ أم أنكِ ستعودين يومًا كما وعدتِني؟»
لم يجبه سوى صمت البحيرة، بينما ظل قلبه متعلقًا بوعد فتاة لم يرها إلا مرة واحدة، ولم يكن يعلم أن لقاءه بها لم يكن مجرد صدفة عابرة، وأن الأيام القادمة تخبئ له ما لم يكن يتوقعه أبدًا.
تابع جديد رزان محمد انور ابراهيم العطار
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق