في هذا المقال

البيت الذي لا ينام: سر الغرفة المغلقة
في إحدى القرى البعيدة، حيث تتشابك الأشجار فوق الطرق الضيقة، ويغطي الضباب الحقول مع حلول الليل، كان هناك منزل قديم يقف وحيدًا على أطراف القرية. لم يكن أحد يقترب منه بعد غروب الشمس، حتى إن أهل القرية كانوا يغيرون طريقهم لتجنب المرور بجواره. لم يعرف أحد على وجه اليقين ما الذي حدث داخل ذلك المنزل، لكن الجميع اتفقوا على شيء واحد: البيت لم يكن مهجورًا كما يبدو.
بدأت الحكاية عندما انتقل شاب يُدعى آدم إلى القرية بحثًا عن الهدوء والابتعاد عن ضوضاء المدينة. كان شابًا لا يؤمن بالخرافات، ويعتقد أن كل قصة مخيفة لها تفسير منطقي مهما بدت غريبة. وعندما سمع حكايات أهل القرية عن المنزل القديم، ابتسم ساخرًا وقرر أن يستأجره، خاصة أن إيجاره كان رخيصًا بصورة غير معتادة.
حذره صاحب المنزل العجوز قبل تسليمه المفتاح، وقال له بصوت منخفض:
«تقدر تعيش في أي أوضة تعجبك، وتستخدم أي حاجة في البيت، لكن عندي طلب واحد بس: مهما سمعت بالليل، أوعى تفتح باب الأوضة اللي في آخر الطرقة».
ضحك آدم وسأله عن السبب، لكن العجوز لم يجب. اكتفى بالنظر إليه نظرة غريبة، ثم غادر مسرعًا وكأنه يخشى البقاء دقيقة أخرى داخل المنزل.
في الليلة الأولى، لم يحدث شيء غير عادي. رتب آدم أغراضه، وتناول عشاءه، ثم ذهب إلى النوم وهو يشعر بالانتصار لأنه لم يجد شيئًا يستحق الخوف. لكن عند الساعة الثالثة فجرًا، استيقظ على صوت طرقات خفيفة تأتي من آخر الممر.
ثلاث طرقات متتالية.
ثم صمت.
وبعد ثوانٍ، سمع صوت امرأة تهمس باسمه.
«آدم... افتح الباب».
جلس في سريره مذهولًا. لم يكن هناك أحد غيره في المنزل، وكان متأكدًا من ذلك. حاول إقناع نفسه بأن الصوت مجرد وهم ناتج عن التعب، فأعاد رأسه إلى الوسادة وأغمض عينيه.
لكن الهمس عاد، هذه المرة أقرب وأكثر وضوحًا.
«آدم... أنا بردانة».
نهض الشاب وأضاء المصباح، ثم خرج إلى الممر بخطوات مترددة. توقف أمام الباب المغلق، ووضع أذنه عليه، فسمع صوت أنفاس بطيئة من الجهة الأخرى. تراجع مذعورًا، وعاد إلى غرفته وأغلق الباب خلفه.
مع شروق الشمس، أقنع نفسه بأن ما حدث كان مجرد كابوس. لكنه قرر أن يسأل أحد سكان القرية عن تاريخ المنزل. وعندما حكى لصاحب المقهى ما سمعه، تغير لون وجه الرجل، ووضع كوب الشاي من يده وقال:
«إنت فتحت الأوضة؟»
أجاب آدم بأنه لم يفعل.
تنفس الرجل الصعداء، ثم أخبره أن المنزل كان ملكًا لعائلة اختفت ابنتها الصغيرة منذ سنوات طويلة. بحث عنها الجميع، لكنهم لم يعثروا عليها أبدًا. وكان آخر مكان شوهدت فيه هو تلك الغرفة المغلقة. وبعد اختفائها، بدأت العائلة تسمع طرقات وأصوات بكاء في منتصف الليل، حتى غادر أفرادها القرية واحدًا تلو الآخر.
عاد آدم إلى المنزل قبل الغروب، لكنه لم يعد يشعر بالشجاعة نفسها. قرر أن يغادر في الصباح، وأن يقضي ليلته الأخيرة بعيدًا عن الممر. غير أن البيت كانت له خطط أخرى.
في تمام الثالثة فجرًا، انقطعت الكهرباء فجأة. استيقظ آدم على صوت خطوات صغيرة تتحرك خارج غرفته. لم تكن خطوات شخص بالغ، بل كانت تشبه خطوات طفلة تمشي حافية على أرض خشبية.
ثم سمع مقبض باب غرفته يتحرك ببطء.
تجمد في مكانه.
جاءه صوت الطفلة من خلف الباب:
«إنت ليه مش عايز تساعدني؟»
لم يرد. أمسك هاتفه وحاول الاتصال بأحد، لكن الشبكة اختفت تمامًا. وبعد لحظات، سمع صوت الباب يُفتح رغم أنه كان قد أغلقه بالمفتاح.
خرج إلى الممر، فرأى باب الغرفة المحظورة مفتوحًا لأول مرة. كان الظلام في الداخل كثيفًا، وكأن الضوء نفسه يخشى الدخول. وعلى الأرض ظهرت آثار أقدام صغيرة مبللة تمتد من الغرفة حتى وقفت أمامه.
وفي نهاية الممر، ظهرت طفلة ترتدي فستانًا أبيض قديمًا. كان شعرها يغطي وجهها، وكانت تقف دون حركة.
همس آدم بصوت مرتجف:
«إنتِ مين؟»
رفعت الطفلة رأسها ببطء، وقالت:
«أنا اللي استنيتك».
ثم أشارت إلى الغرفة.
لم يستطع آدم السيطرة على فضوله، فتقدم خطوة واحدة. وفي اللحظة نفسها، انغلق الباب خلفه بعنف، وسمع صرخة حادة هزت أرجاء المنزل. حاول فتح الباب، لكنه لم يتحرك، وبدأت الجدران تصدر صوت خدوش متتابعة، كأن عشرات الأيدي تحاول الخروج من داخلها.
وفجأة، رأى مرآة قديمة معلقة على الحائط. اقترب منها بحثًا عن أي شيء يمكنه استخدامه لكسر الباب، لكنه توقف عندما لاحظ انعكاسه.
كان يقف في المرآة رجلًا عجوزًا، بوجه شاحب وعينين غائرتين.
أما خلفه، فكانت الطفلة تبتسم.
التفت آدم بسرعة، فلم يجد أحدًا. عاد بنظره إلى المرآة، فرأى الطفلة ترفع يدها وتشير إلى شيء خلفه. وعندما نظر مرة أخرى، اكتشف وجود دفتر قديم على الطاولة، لم يكن موجودًا قبل لحظات.
فتح الدفتر بأيدٍ مرتجفة، فوجد صفحات مليئة بأسماء أشخاص وتواريخ قديمة. وفي الصفحة الأخيرة، وجد اسمه مكتوبًا بخط أسود، وإلى جواره تاريخ ذلك اليوم.
وتحته جملة قصيرة:
«الضيف الجديد لن يغادر المنزل أبدًا».
في الصباح، وصل صاحب المنزل العجوز ومعه رجلان من القرية. كان الباب الرئيسي مفتوحًا، والأثاث في مكانه، لكن آدم لم يكن موجودًا. لم يجدوا سوى هاتفه على الأرض، وشاشة الهاتف تعرض صورة للممر الفارغ.
قرروا المغادرة، لكن أحد الرجلين لاحظ أن باب الغرفة المحظورة كان مغلقًا من جديد. اقترب منه ووضع أذنه عليه، فسمع ثلاث طرقات خفيفة.
ثم جاء صوت شاب من الداخل يهمس:
«لو سمحتوا... افتحوا الباب».
تراجع الرجلان مذعورين، بينما أخرج العجوز مفتاحًا قديمًا من جيبه، وأعاده إلى مكانه دون أن ينطق بكلمة.
ومنذ تلك الليلة، صار أهل القرية يسمعون صوتين يتحدثان داخل المنزل بدلًا من صوت واحد: صوت طفلة تضحك، وصوت شاب يطلب المساعدة.
أما المنزل، فما زال واقفًا في مكانه حتى اليوم، بأبوابه المغلقة ونوافذه المظلمة.
ويقول من يمر بالقرب منه بعد منتصف الليل إنه يرى أحيانًا ظل شخص يقف خلف النافذة، يحدق في الطريق وكأنه ينتظر وصول ضيف جديد.
لكن السؤال الذي يخشاه الجميع هو: هل كان آدم ضحية لعنة قديمة، أم أن السر الحقيقي كان مختبئًا داخل الغرفة منذ البداية؟
ربما لن نعرف الإجابة أبدًا، لكن هناك نصيحة يكررها أهل القرية لكل غريب يسأل عن المنزل:
إذا سمعت أحدًا ينادي اسمك من خلف باب مغلق في منتصف الليل، فلا تجب... حتى لو كان الصوت يشبه صوت شخص تعرفه.
تابع جديد زينب سامح
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق