أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
الروايات

حين تذكّر القمر اسمي | الجزء الأول: مدينة الذين نسوا

في مدينة نيرام، لم يعد الحزن موجودًا، ولم تعد الذكريات المؤلمة تؤرق البشر. بفضل تقنية تُسمى «المرآة»، أصبح الإنسان قادرًا على التخلص من كل ما يزعجه، حتى الماضي نفسه. لكن سيرين لم تكن مثل الآخرين. منذ طفولتها، كانت ترى أحلامًا غريبة عن بحر أسود، وقمر أحمر، وامر

Alya ShetaAlya Shetaالكاتب 8 د للقراءة 0.00 المراجعات
حين تذكّر القمر اسمي | الجزء الأول: مدينة الذين نسوا
image about حين تذكّر القمر اسمي | الجزء الأول: مدينة الذين نسوا

حين تذكّر القمر اسمي

الجزء الأول: مدينة الذين نسوا

«أخطر الأسرار ليست تلك التي نخفيها عن الآخرين، بل تلك التي يزرعها العالم داخلنا حتى نظن أنها أفكارنا.»

الفصل الأول: الرسالة التي جاءت من السماء

في الليلة التي اختفى فيها القمر، استيقظت سيرين على صوت طرقات خفيفة فوق نافذتها.

لم يكن هناك أحد.

كانت غرفتها في الطابق السابع، والنافذة مغلقة بإحكام، والمدينة غارقة في صمت غير مألوف. حتى أصوات السيارات التي اعتادت أن توقظها كل ليلة اختفت.

اقتربت من النافذة.

رفعت عينيها إلى السماء، فلم تجد القمر.

كان ذلك غريبًا، ليس لأن القمر لم يظهر، بل لأن السماء نفسها بدت وكأنها فقدت شيئًا تعرفه.

على الزجاج، وجدت جملة مكتوبة بخط أبيها:

«حين يختفي القمر للمرة الثالثة، لا تثقي بالذاكرة.»

تراجعت سيرين خطوة.

أبوها مات منذ خمس سنوات.

لم يكن مجرد أب بالنسبة إليها، بل كان الرجل الوحيد الذي علّمها أن الأسئلة أهم من الإجابات، وأن الإنسان لا يصبح حرًا لمجرد أنه يستطيع الاختيار، بل حين يعرف من أين جاءت رغباته.

قبل موته بأسبوع، اختفى من المنزل ثلاثة أيام.

وعندما عاد، كان مختلفًا.

لم يتحدث عن مكانه، ولم يشرح سبب غيابه. اكتفى بأن أعطاها مفتاحًا فضيًا صغيرًا، وقال:

«لو نسيتِ كل شيء، افتكري إنك كنتِ يومًا أشجع من خوفك.»

احتفظت سيرين بالمفتاح طوال السنوات الماضية، دون أن تعرف ما الذي يفتحه.

لكنها الآن كانت متأكدة من شيء واحد.

الرسالة لم يكتبها شخص غريب.

لقد كتبها أبوها.

---

الفصل الثاني: المدينة التي لا تحلم

كانت مدينة «نيرام» واحدة من أكثر المدن تقدمًا في العالم.

شوارعها نظيفة، مبانيها مضاءة، والناس فيها يعيشون حياة منظمة لا تعرف الفوضى.

كان لكل إنسان جهاز صغير خلف أذنه يسمى «المرآة»، مهمته مراقبة الحالة النفسية، وتعديل الذكريات المؤلمة، وتقليل الخوف والغضب والحزن.

في المدرسة، كانوا يسمون ذلك تطورًا.

وفي نشرات الأخبار، كانوا يسمونه انتصار البشرية على الألم.

لكن سيرين كانت ترى شيئًا مختلفًا.

الناس لم يعودوا يحزنون، لكنهم أيضًا لم يعودوا يفرحون بصدق.

لم يعد أحد يتحدث عن أحلامه.

لم يعد الأطفال يسألون عن النجوم.

وإذا سأل أحدهم سؤالًا لا يناسب النظام، ظهرت رسالة صغيرة على جهازه:

«هذه الفكرة لا تخدم استقرارك.»

كان الجميع يطيع.

الجميع، باستثناء سيرين.

منذ طفولتها، كانت ترى أحلامًا غريبة.

في كل حلم، تقف أمام بحر أسود، وتسمع صوت امرأة يناديها باسم لا تعرفه:

«إيلارا...»

كانت تستيقظ وهي تبكي، دون أن تفهم السبب.

وعندما أخبرت أمها، قالت لها إن الأحلام مجرد نشاط عشوائي للدماغ.

لكن سيرين لم تصدقها.

كانت تشعر أن هناك حياة أخرى تنتظرها خلف باب مغلق.

وفي صباح اليوم التالي لاختفاء القمر، تلقت رسالة على جهازها.

لم يكن لها مصدر.

لم تحمل اسم مرسل.

كانت تحتوي على موقع واحد، ووقت محدد:

الساعة 11:11 مساءً.

ثم ظهرت جملة:

«لو عايزة تعرفي مين قتل الحقيقة، تعالي للمكان اللي اتولد فيه الظلام.»

---

الفصل الثالث: الرجل الذي لا يملك ذاكرة

كان الموقع عبارة عن محطة قطارات مهجورة في أطراف المدينة.

وصلت سيرين قبل الموعد بعشر دقائق.

لم يكن هناك سوى رجل عجوز يجلس على مقعد خشبي، يرتدي معطفًا أسود ويحمل ساعة متوقفة.

قال دون أن ينظر إليها:

«اتأخرتِ.»

«أنا جيت قبل المعاد.»

«في الزمن اللي تعرفيه، آه.»

جلست أمامه.

«إنت مين؟»

رفع رأسه.

كانت عيناه بلون السماء قبل المطر.

«اسمي سليم. كنت واحدًا من الذين صنعوا المرآة.»

تجمدت سيرين.

«إنت من العلماء؟»

«كنت عالمًا. قبل ما أعرف إن العلم ممكن يتحول إلى طريقة أنيقة لإخفاء الحقيقة.»

أخرج من جيبه صورة قديمة.

كانت الصورة لأربعة أشخاص يقفون أمام مبنى ضخم.

تعرفت سيرين على أبيها فورًا.

وبجواره رجل يشبه سليم.

أما الشخصان الآخران، فكان أحدهما امرأة ترتدي قلادة على شكل هلال، والآخر طفلة صغيرة.

أشارت إلى الطفلة.

«مين دي؟»

قال سليم:

«إنتِ.»

شعرت بأن الأرض تميل تحت قدميها.

«مستحيل. أنا كنت طفلة عادية.»

«لا يا سيرين. إنتِ كنتِ أول إنسانة نجحت في الاحتفاظ بذاكرتها كاملة بعد تجربة محو الوعي.»

«أي تجربة؟»

صمت سليم قليلًا.

ثم قال:

«التجربة اللي خلت العالم ينسى إنه كان حرًا.»

---

الفصل الرابع: الحقيقة الأولى

قبل عشرين عامًا، اكتشف العلماء أن الذاكرة ليست مجرد تسجيل للماضي.

كانت الذاكرة هي الأساس الذي يبني الإنسان عليه هويته.

كل فكرة، وكل خوف، وكل رغبة، وكل قرار، يتأثر بما يتذكره الإنسان، حتى لو لم يكن واعيًا بذلك.

ومن هنا بدأ مشروع «المرآة».

كان الهدف في البداية نبيلًا.

مساعدة الناس على تجاوز الصدمات، وتقليل الألم النفسي، ومنحهم فرصة لبداية جديدة.

لكن المشروع تغير عندما اكتشف العلماء إمكانية تعديل الذكريات الجماعية.

لم يعد الأمر متعلقًا بشخص ينسى حادثًا مؤلمًا.

أصبح بالإمكان جعل ملايين البشر ينسون حدثًا كاملًا.

ثورة.

حرب.

اختراعًا.

أو حتى فكرة.

قال سليم:

«كان أبوك أول واحد يكتشف إن المشروع خرج عن السيطرة. حاول يوقفه، لكنهم قرروا إن وجوده خطر.»

«مين هم؟»

«مجلس النظام.»

«وليه أنا؟»

نظر إليها سليم طويلًا.

«لأنك الوحيدة اللي ما قدروا يمحوا ذاكرتها.»

لم تستطع سيرين استيعاب ما تسمعه.

كل حياتها كانت مبنية على ذكريات ربما لم تحدث.

أمها.

مدرستها.

طفولتها.

حتى اسمها.

سألته بصوت مرتجف:

«أنا مين؟»

أجاب:

«دي أول مرة تسألي السؤال الصح.»

ثم أعطاها المفتاح الفضي.

«المفتاح ده هيفتح المكان اللي أبوك خبّى فيه الحقيقة. لكن لازم تعرفي إن الحقيقة مش دايمًا بتكون رحيمة.»

---

الفصل الخامس: الباب الموجود داخل القمر

في منتصف الليل، أخذت سيرين المفتاح وذهبت إلى المبنى الموجود في الصورة.

كان يقع تحت المدينة، في منطقة محظورة لا تظهر على الخرائط.

وجدت بابًا معدنيًا ضخمًا.

في منتصفه فتحة على شكل هلال.

وضعت المفتاح.

انفتح الباب.

في الداخل، كانت هناك قاعة واسعة مليئة بشاشات قديمة.

وفي منتصف القاعة، كرة زجاجية ضخمة تعرض صورة القمر.

اقتربت سيرين.

وفجأة، سمعت صوت أبيها.

«لو وصلتي لهنا، يبقى أنا فشلت في حمايتك، أو نجحت في إعطائك فرصة تختاري.»

ظهرت صورته على الشاشة.

كان يبدو أصغر سنًا، لكنه كان يتحدث إليها كأنه يعرف أنها ستشاهده بعد سنوات.

«سيرين، العالم اللي إنتِ عايشة فيه مش كذبة كاملة. هو حقيقة ناقصة. الناس فعلًا عانوا، والحروب فعلًا دمرت أرواحًا، لكنهم لم يختاروا أن ينسوا. تم اختيار النسيان لهم.»

توقفت الصورة لحظة.

ثم أكمل:

«هناك شيء لم أخبرك به. المرآة لم تُصنع لتتحكم في البشر فقط. لقد صُنعت لتمنع شيئًا من العودة.»

ظهرت على الشاشة صورة لسماء قديمة.

قمر أحمر.

ومدن مدمرة.

ثم ظهر رمز غريب يشبه عينًا داخل دائرة.

قال أبوها:

«منذ آلاف السنين، اكتشف البشر أن الوعي ليس حبيس الجسد كما يعتقدون. هناك طبقة من الوجود تتصل بالذاكرة الجماعية، وحين ينسى البشر حقيقتهم، تضعف الحدود بين العالمين.»

«لكن ما الذي يوجد هناك؟»

جاء صوت أبيها واضحًا:

«شيء يتغذى على النسيان.»

انطفأت الشاشة.

ثم أضاءت من جديد.

ظهرت جملة واحدة:

«إيلارا، لقد حان وقت العودة.»

---

الفصل السادس: الاسم الذي لم يكن اسمها

لم تستطع سيرين التنفس.

إيلارا.

الاسم الذي كانت تسمعه في أحلامها.

الاسم الذي ظنت أنه مجرد وهم.

اقتربت من الشاشة، فظهرت صورة امرأة تشبهها تمامًا.

لكنها كانت أكبر سنًا.

وعيناها تحملان حزنًا لم تعرفه سيرين من قبل.

تحت الصورة، ظهرت بيانات:

إيلارا — المشروع صفر.

الحالة: الوعي الأصلي.

الموقع: خارج الزمن.

ثم ظهرت رسالة جديدة:

«تم العثور على الذاكرة المفقودة.»

شعرت سيرين بألم غريب في رأسها.

بدأت الصور تتدفق.

بحر أسود.

امرأة تحملها.

أبوها يصرخ.

سماء تنشق عن ضوء أزرق.

ثم صوت يقول:

«لا تسمحي لهم بإغلاق الباب.»

سقطت على الأرض.

وعندما فتحت عينيها، كانت في مكان آخر.

لم تكن داخل المبنى.

كانت واقفة في مدينة مدمرة.

السماء حمراء.

والقمر ضخم، أقرب مما ينبغي.

وفي نهاية الشارع، وقفت المرأة التي تشبهها.

قالت المرأة:

«أخيرًا رجعتي.»

«إنتِ مين؟»

«أنا إنتِ، قبل ما يسرقوا منكِ البداية.»

«أنا بحلم؟»

ابتسمت المرأة بحزن.

«الحلم هو الاسم اللي بيطلقوه على الحقيقة لما يخافوا منها.»

اقتربت منها.

«اسمعيني كويس. العالم اللي تعرفيه مش هو العالم الأول. إنتِ مش مجرد بنت نجت من تجربة. إنتِ المفتاح اللي اتصمم عشان يقفل الباب.»

«أي باب؟»

رفعت المرأة يدها نحو السماء.

انشق القمر.

ومن داخله، ظهر ضوء أسود.

«الباب اللي لو اتفتح، هيفتكر البشر كل حاجة.»

---

الفصل السابع: الخيانة

عادت سيرين إلى القاعة.

كان سليم يقف أمامها.

لكنه لم يعد يبدو كالرجل العجوز الذي قابلته.

كانت عيناه مضيئتين بلون فضي.

قال:

«كان المفروض ما توصليش للحقيقة دلوقتي.»

تراجعت سيرين.

«إنت كنت عارف؟»

«كنت بحاول أحميكِ.»

«من إيه؟»

«من نفسك.»

بدأت الشاشات تعرض صورًا لمدن مختلفة.

في كل مدينة، كان القمر يختفي.

وفي كل مرة، تظهر موجة من الضوء الأسود.

قال سليم:

«كل مرة بتفتكري فيها جزءًا من الحقيقة، الحدود بتضعف.»

«يبقى ليه ساعدتني؟»

«لأن أبوك طلب مني.»

«وإنت وافقت؟»

صمت.

ثم قال:

«أنا اللي ساعدتهم يمحوا ذاكرتك.»

شعرت سيرين أن كل شيء بداخلها انكسر.

«إنت كنت السبب؟»

«كنت فاكر إن النسيان هيحمي العالم.»

«والحقيقة؟»

«الحقيقة إننا صنعنا سجنًا، ثم أقنعنا الناس إنهم في أمان.»

قبل أن ترد، انطلقت صفارات الإنذار.

ظهرت على الشاشة رسالة:

تم تفعيل المشروع صفر.

عودة الوعي الأصلي خلال 60 ثانية.

اقترب سليم منها.

«لازم تختاري.»

«أختار إيه؟»

«إما ترجعي تنسي كل شيء، أو تفتحي الباب.»

«ولو فتحته؟»

نظر إليها بعينين ممتلئتين بالخوف.

«العالم هيتغير للأبد.»

---

الفصل الثامن: حين تذكّر القمر اسمي

وقفت سيرين أمام الكرة الزجاجية.

كان بإمكانها العودة إلى حياتها.

إلى غرفتها.

إلى أمها.

إلى العالم الذي تعرفه.

لكنها كانت تعرف الآن أن الراحة التي عاشتها لم تكن كاملة.

وأن السلام الذي لم يسمح للناس بالحزن، لم يكن سلامًا.

كان صمتًا.

مدت يدها نحو الكرة.

وفي اللحظة التي لمستها فيها، سمعت آلاف الأصوات.

أصوات بشر عاشوا قبلها.

أصوات أطفال.

أصوات أمهات.

أصوات أشخاص ماتوا دون أن يعرف أحد قصصهم.

كل ذكرى محذوفة عادت إلى مكانها.

كل حقيقة دفنت تحت طبقات النسيان بدأت تستيقظ.

وفي السماء، ظهر القمر.

لكنه لم يكن أبيض.

كان أحمر، تتخلله خطوط زرقاء تشبه الشرايين.

انطفأت أنوار المدينة.

ثم عادت.

لكن الناس لم يعودوا كما كانوا.

في الشوارع، توقف الجميع.

بعضهم بكى.

بعضهم رفع رأسه نحو السماء، كأنه يتذكر شيئًا كان ينتظره منذ آلاف السنين.

أما سيرين، فكانت تقف داخل القاعة، تشاهد العالم يتغير.

ظهر صوت أبيها للمرة الأخيرة:

«أنا فخور بيكِ يا إيلارا.»

ثم انطفأت الشاشة.

ظنت أن كل شيء انتهى.

لكن فجأة، ظهر صوت آخر.

لم يكن صوت أبيها.

ولا صوت سليم.

كان صوتًا عميقًا، كأنه يأتي من خلف السماء نفسها.

«أخيرًا... تذكّرتم.»

ارتجفت الأرض.

انشق القمر مرة أخرى.

وظهرت خلفه مدينة هائلة، معلقة في الفراغ.

مدينة لم يرها إنسان من قبل.

وعلى بوابتها، كانت هناك آلاف الأسماء.

اسم واحد فقط كان مضيئًا.

إيلارا.

ثم ظهرت جملة أخيرة على الشاشة:

«تم إلغاء الحاجز الأول.»

«بدأت مرحلة الاستيقاظ.»

نظرت سيرين إلى السماء.

وفهمت أخيرًا لماذا كان أبوها يخاف من القمر.

لم يكن القمر مجرد جرم سماوي.

كان بابًا.

وكانت هي المفتاح.

نهاية الجزء الأول.

لكن السؤال الذي لم تستطع سيرين الإجابة عنه كان:

إذا كان البشر قد نسوا الحقيقة مرة، فمن الذي جعلهم ينسونها قبل ذلك؟

يتبع..

---

تابع جديد Alya Sheta

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق