أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
الروايات

الفصل الاول : قلبي الأعذر: عذراء المشاعر

قلبٌ عاش هادئًا، لم يكن الحقد ولا الكره رفيقًا له. عذراء المشاعر، لم يطرق الحب وجدانه، ولم يُقيد أوصاله أحد. وهبت قلبها لله، فحماه... حتى جاء ذلك الشخص، فخافت، واختبأت. أما هو—الذي لم تدق البسمة يومًا تعابير وجهه رآها، فتبسّم محيّاه.

نَـسْــجنَـسْــجالكاتب 12 د للقراءة 0.00 المراجعات
الفصل الاول : قلبي الأعذر: عذراء المشاعر

الفصل الأول

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إنها ليلة ظلماء، ولكن نور البدر وأنوار النجوم زيّنت سماء كحيلة، أما ذلك البيت المظلم فلم ينره إلا مصباح في غرفة واحدة، الجميع نيام عدا القابع في تلك الغرفة…

النافذة مفتوحة والبرادي تترنح يمينًا تارة ويسارًا تارة أخرى... 

تلاعبها نسمات الليل اللطيف، أما هي ذات الشعر الجريء والخصلات البنية فكانت منكبة على مكتبها تنهي عملها على حَاسبها…

– آه ياني ياما، الورق ده مش بيخلص ليه؟

قالت ذلك وصفعت اللابتوب لتغلقه، ثم أردفت بتنهيدة:

– هكمل بكرا في الشركة…

تثاءبت بتعب ومسحت دمعة تثاؤب عالقة على أهدابها التي تطل على عين بندقية نعسة ورمش كثيف لا يزال مفتوحًا.

تمطعت بجسدها اللين وقامت من على كرسيها باتجاه النافذة. أخرجت جسدها من النافذة واستندت بيديها على سورها لتستنشق نسمات الليل العليل، وتستمع لنغمات صرصور الليل وترنّح أوراق الأشجار مع الرياح.

أخذت شهيقًا طويلًا وزفرته ببطء، بابتسامة صغيرة مرتسمة على جانب فمها الصغير.

مرت بيديها وأغلقت شباكها، وتوجهت إلى حمام شقتها لتتوضأ وتقابل بارئها في صلاة قيام الليل، تريد تبجيله وأن يؤنس وحدتها.

بعد صلاتها وقراءة سورة الملك، توجهت لغرفتها مرة أخرى ونظرت إلى الوقت لتجده الساعة الثانية بعد منتصف الليل.

– يالهوي يا رب ما تأخر عن الشغل!

أردفت بذلك بقلق وهي تمسك بهاتفها وتضبط عددًا من المنبهات.

تمدّدت على سريرها ونظرت إلى ركن غرفتها الأرجواني وابتسمت بهدوء، ابتسامة تطمئن بها نفسها أن القادم أفضل، وأنها غدًا أو ربما بعد غد، أو بعد بعد غد، لن تنام في شقة وحيدة.

---

رن صوت منبّه الساعة السابعة صباحًا بإزعاج ليُقلق تلك النائمة من نومها المريحة.

أمسكت هاتفها لتُطفئ المنبّه وتكمل نومها، بابتسامة ارتسمت على محياها.

ولكن بعد خمس دقائق، رن المنبّه مرة أخرى وكأنه يشمت بها!

قامت من على سريرها بانزعاج، وأمسكت هاتفها المحمول، وأغلقت المنبّه بضغطة حادة من أناملها، وكأنها تنتقم منه... متناسية أنها نفسها، بنفس اليد، ضبطته.

تمطعت وتململت وهي تتمتم بضيق:

– أبو الشغل وسنينه بقى…

توجّهت نحو حمام شقتها، لتُنعش جسدها وتتوضأ، وتؤدي فرضها، وتبدأ يومها بملاقاة ربها.

---

بعد أداء فريضتها، ذهبت إلى مطبخها البسيط بكسل وخمول لتحضّر لنفسها، ككل يوم، ساندوتش جبنة خزين.

وبعد أن انتهت من فطورها، ذهبت لترتدي ملابسها…

ارتدت حجابًا بلون الشاي باللبن، وقميصًا بنفس اللون، مع جاكيت كحلي وبنطال بلونٍ مشابه.

ظلت تبحث عن حذائها ذي الكعب العالي بلون القميص.

– هي فين أم الفردة التانية بقى... يا ربي!

نطقتها بتذمّر وضجر.

انحنت بجذعها لتنظر تحت السرير، لتجد فردة الحذاء مهجورة تحته.

مدّت يدها والتقطتها، وبعد أن مسحتها وارتدتها في قدميها الصغيرتين، ألقت نظرة أخيرة على نفسها في المرآة، ثم ابتسمت برضا، ورفعت ذقنها قليلًا بثقة.

خرجت من شقتها، وهي تغلق الباب، وتنزل على السلالم. استوقفها صوتٌ خشن قليلًا، وكأنه تأثّر من عوامل الزمن:

– رايحة فين يا نور؟

التفتت له نور، وابتسمت بهدوء لذلك الرجل الخمسيني، ذو اللحية البيضاء.

نور: رايحة الشغل يا عمي، صباح الخير.

هو: صباح النور... طب تعالي أوصلك معايا بالعربية.

نور: مافيش داعي، أنا ممكن آخد تاكسي.

تقدّم عمها ومشى أمامها دون أن ينظر لها، وقال بضجر ونفاد صبر:

– يلا.

---

نظرت نور إلى ظهر عمها وهو يبتعد، وأخذت تجر قدميها خلفه بخيبةٍ ثقيلة.

وتمتمت في سرّها بحزن:

– الله يسامحك يا عم مجدي على خيبة الأمل اللي أنا فيها دلوقتي…

وصلت إلى السيارة فوجدت عمها قد سبقها وجلس ينتظرها.

فتحت الباب الأمامي وجلست بجواره، ثم نظرت إليه وابتسمت ابتسامة باهتة، أما هو فأزاح نظره عنها بلا مبالاة وحدّق أمامه في صمت.

مرّت ربع ساعة قبل أن تتوقف السيارة أمام شركة متوسطة الحجم، لا كبيرة ولا صغيرة.

ترجلت نور من السيارة، وشكرت عمها بصوت خافت، ثم ما إن أغلقت باب السيارة حتى انطلقت في طريقها دون أن يلتفت لها.

نظرت نور خلفها بأسى، وتنهدت بخفوت، ثم تابعت سيرها بخطوات هادئة نحو قسم الحسابات في الشركة.

…

---

وصلت نور أمام المصعد وضغطت على زر النزول، وانتظرته حتى يأتي.

– نور!

سمعت نور صوتًا شبه عالٍ يناديها، فالتفتت خلفها لتجد صديقتها سلوى بشعرها البني القصير وابتسامتها المشرقة، تأتي نحوها مسرعة وهي تبتسم باتساع.

وصلت سلوى إلى نور في أقل من عشر ثوانٍ، وأمسكتها من ذراعها وأخذت تدور بها معبّرة عن فرحتها.

ضحكت نور بخفوت واستغراب:

– في إيه يا سلوى؟

سلوى: حذر فذر، مين فرحه كمان عشرين يوم؟

فتحت نور فاها بدهشة، ثم سرعان ما تبسمت عيناها قبل شفتيها، وأمسكت هي الأخرى سلوى من ذراعها وضمتها إلى حضنها بحماسة بالغة.

نور: سلوى! مش معقول! ألف ألف مبروك يا حبيبتي! ربنا يسعدك يارب!

سلوى بخجل طفيف وابتسامة صغيرة: الله يبارك فيكي يا قلبي.

ثم ربعت يديها أمام صدرها:

– بس المباركة وحدها مش هتنفعني.

نور بضحكة: طب يا ستي ليكي عندي هدية جامدة آخر حاجة!

سلوى: لا يا حبيبتي، الهدية كده كده هتيجي... أنا عايزاكي من بكرة معايا في البيت.

نور باستغراب: والشغل يا سلوى؟

سلوى ببراءة: مانا أخدتلك إجازة معايا!

نور بدهشة: إزاي يعني يا سلوى؟!

سلوى: مدير الشركة عنده مصلحة عند بابا، وهو مش بيقدر يرفض له طلب.

نور باستيعاب: آه صحيح، نسيت إنك بنت عم سالم البحيري!

سلوى بضحكة: أمال إيه؟ ده إحنا جامدين أوي!

ثم أردفت وهي ترفع حاجبها:

– بس ماتخافيش، الإجازة مدفوعة الأجر. كفاية الشغل اللي كنتي مخلصة فيه، ده المفروض ياخد شهرين وحضرتك خلصتيه في أقل من شهر! نفسي أفهم، فين راحتك الجسدية والنفسية من كل ده؟! يا بنتي حرام عليكي نفسك، ده حتى إنتِ اللي كنتي بتقوليلي كده!

دلفت نور وسلوى إلى المصعد بعد أن هبط، وقالت نور بنبرة حزن طفيفة:

– يا سلوى، مش ورايا حاجة أعملها غير الشغل.

سلوى: لا يا نور، لو دورتي هتلاقي حاجات كتير تعمليها.

نور وهي تحاول تغيير الموضوع: المهم، هقول لعمامي النهاردة، وأجي أقعد معاكي من بكرة.

سلوى: تمام، وأنا هاجي أخدك بعربيتي.

نور: لا بلاش... كده كده عمي مجدي هو اللي هيوديني.

وأكملت بضيق:

– مانتي عارفة... لازم يتأكد من الحتة اللي بروحها بنفسه.

سلوى وهي تضغط على كتفها بدعم: ماتزعليش يا نور... إنتِ أكبر من إن أي حد يشك في أخلاقك.

وصل المصعد إلى الدور الثالث، وترجلت منه الفتاتان. وبعد السلام ووعد باللقاء في استراحة الغداء، ذهبت كل واحدة منهما إلى مكتبها.

---

بعد يومٍ منهك من العمل، ذهبت نور لتقابل سلوى وتودّعها.

قالت سلوى وهي تعض شفتيها الممتلئتين بتحدٍّ:

– عارفة لو اتأخرتي بكرة؟ هنفخك يا نور!

ضحكت نور:

– خلاص والله مش هتأخر، كده كده طنط ابتسام وأونكل سالم والواد يوسف وحشوني أوي.

قالت سلوى:

– أوكي، تعالي أوصلك بعربيتي علشان ما تتأخريش.

نور:

– أوكي، يلا بينا.

خرجت نور وسلوى من الشركة وتوجّهتا إلى السيارة، وانطلقتا بها نحو بيت عائلة نور.

وبعد أن وصلت، ترجلت نور من السيارة وودّعت سلوى بقبلة في الهواء، ثم توجهت إلى بيت عائلتها.

وأثناء صعودها السلالم نحو الدور الأول، أوقفها عمّها الأكبر "وجدي":

– مين اللي وصلك ده يا نور؟

ردّت نور بنبرة رزينة:

– السلام عليكم يا عمي... دي سلوى صاحبتي، حضرتك عارفها.

قال وجدي:

– آه، تمام . ماجتش معاكي ليه؟

نور باستغراب:

– معلش بقى، اتأخرت.

وجدي:

– تمام، ابقي انزلي اتعشي معانا النهارده.

زادت ملامح الاستغراب على وجه نور، وتيقّنت أن هناك أمرًا خفيًّا، فهي لم تعتد النزول عندهم إلا يوم الجمعة وقت الغداء:

– أوكي يا عمي، أشوفكم على الساعة ستة.

وجدي:

– تمام، اطلعي ارتاحي شوية.

ابتسمت نور وأكملت صعودها إلى الدور الثالث.

حقًّا، بالرغم من جفاء عمّها وجدي، إلا أنه يحمل حنانًا خفيًّا... صحيح أنه ليس قريبًا منها، لكنه ليس بعيدًا كذلك، عكس عمّها "مجدي" تمامًا، الذي يُعاملها بجفاء دائم.

---

بعد أن وصلت نور إلى شقتها وفتحت الباب، ألقت نظرة سريعة على شقتها الواسعة، الخالية من أي روح سواها. حين فكّرت في ذلك، زمت شفتيها، لكن ما إن وقعت عيناها على حالة الشقة التي تحتاج إلى ترتيب، حتى زمت شفتيها أكثر وأكثر.

نور: يا دي القرف بقى... يا رب خليك معايا.

---

أنهت نور ترتيب شقتها بالكامل. رتّبت غرفتها، وغرفة الضيوف، والصالة، والمطبخ. وحين انتهت منهم، انتقلت بنظرها إلى غرفة أخرى، وحين لمحت بابها، ارتسم على محياها الحزن الشديد.

تقدّمت نحوها ببطء شديد، ثم دخلتها…

غرفة قديمة، من ستائرها حتى دولابها.

نظرت فوق السرير، لتلمح صورة زفاف نظيفة جدًا — فـنور لا تترك ذرة غبار تقترب من هذه الغرفة بأكملها.

أردفت والدمع يترقرق في عينيها، وهي تنظر للصورة بحب:

– وحشتوني أوي يا بابا... إنت وماما، والله وحشتوني أوي... الله يرحمكم.

بعد أن أنهت نور ترتيب شقتها، ذهبت لتُنعش جسدها بماء بارد يُطفئ حر الصيف.

ثم أدّت صلاة العصر بعد أن سمعت الأذان، فالله يُناديها بـ"حي على الفلاح، حي على الصلاة".

وبعد أن أنهت صلاتها وأذكار المساء، توجهت إلى مطبخها لتعد مكرونة بالصلصة الحمراء مع بعض البطاطس المحمّرة — فحقًا كانت جائعة، بالرغم من أنها أكلت في عملها، إلا أن العمل يستهلك الطاقة بسرعة.

…

بعد أن أنهت طعامها، ذهبت لتأخذ قيلولة سريعة، وضبطت المنبّه على موعد العشاء، لتتوجه حينها إلى شقة عمّها "وجدي".

---

استيقظت نور من قيلولتها على صوت المنبه، فذهبت إلى الحمام، ورشّت وجهها بالماء البارد، ثم توضأت استعدادًا لأذان المغرب.

بعد ذلك، توجهت إلى غرفتها وارتدت فستانًا بيتيًّا بسيطًا سادة بلون جملي، مع حجاب بيچ. وبينما كانت تلتقط هاتفها وتتجه نحو باب شقتها لتفتحه ، رن الهاتف باسم "عمي وجدي".

استقبلت نور المكالمة ووقفت مكانها.

نور: ألو، السلام عليكم.

وجدي: وعليكم السلام... فينك يا نور؟ انزلي يلا.

نور: لبست ونازلة أهو يا عمي، هقفل الشقة وجاية.

وجدي: ماشي يا بنتي، يلا مع السلامة.

نور: الله يسلمك.

أغلقت نور الهاتف، وخرجت من شقتها بعد أن تأكدت من إغلاق الباب، ثم نزلت إلى الدور الأول حيث يسكن عمها وجدي.

طرقت الباب، ففتح لها شاب في منتصف العشرينات، خمريّ البشرة، ذو ذقنٍ مهندمة وابتسامةٍ سمِجة، وقال مازحًا:

عمر (بسماجة): ده إيه النور ده يا نور هههههه ... خدت بالك "نور ونور" ههههههه... تعالي اتفضلي.

نور (وهي تجاريه بسماجة): هيهيهي... أيوه خدت بالي. مال دمّك خفيف كده ليه يا عمر؟

عمر (بغرور): طبعًا، أقل حاجة عندي.

نور (تمتمت في سرها): أبو تقل دم أمّك…

دخلت نور إلى غرفة الطعام في شقة عمها، فوجدت عمها "وجدي" وزوجته "صفية" – امرأة في ربيعها الخمسين– وأولادهم: "مسعد" ذو العشرين عامًا، و"سارة" توأمه، و"عمر" بالطبع.

كما حضر عمها "مجدي" وأولاده: "آية" التي مازالت في مرحلتها الثانية في الثانوية، "رؤى" في المرحلة الأولى منها، و"مروان" في سنته الثالثة في كلية الطب.

الجميع كانوا ينظرون إليها في انتظار جلوسها على مائدة العشاء.

نور (بأسف): معلش يا جماعة، اتأخرت عليكم.

سارة (بضيق): لا، براحتك يا برنسيس!

وجدي (مُسرعًا لتفادي التوتر): لا متأخرتيش يا نور، ده انتي يا دوب لسه راجعة من الشغل. ربنا يكون في عونك يا بنتي.

نور (بابتسامة هادئة): اللهم آمين.

---

كانوا جميعًا على طاولة العشاء، يمزحون ويضحكون، أما نور فكانت تأكل بصمت، لا تشعر أن لها مكانًا، وكأنها ضيفة في بيتٍ غريب، وليس بيت عمها.

سمعت نور صوت حمحمة من مجدي، رفعت نظرها ببطء، ومن طرف عينها رأت عمها وجدي يحدّق بها ويهز رأسه بثقل.

وجدي: نور…

نور في سرها: (بالله... كنت عارفة. ما هو لازم التجمع ده وراه مصيبة. استر يا اللي بتستر.)

نور: نعم يا عمي؟ اتفضل.

وجدي: عمر ابني طالب إيدِك مني... وأنا طبعًا موافق. إيه رأيك؟

وقفت نور فجأة من على الكرسي، فصدر عنه صوتٌ مزعج من قوة وسرعة وقوفها…

عيناها اتسعتا، ووجهها شحب... وكأن العالم توقف للحظة.

نور بصوت عالٍ نسبيًا:

ـ إنت بتقول إيه يا عمي؟ عمر أصغر مني أصلًا، غير إنه لسه بيدرس! ده بقاله سنتين بيعيد  آخر سنة في هندسة!

وجدي بغضب، وكأن نور داست على كرامته، فكيف لها أن تتحدث عن ابنه المهندس بهذه الطريقة؟!

ألا تعرف من هو؟ إنه "المهندس عمر وجدي"! في نظره العالم ينقسم إلى نوعين: مهندسين، وناس عادية.

ـ إنتي إزاي تتكلمي كده؟! وبعدين أنا ابني مهندس قد الدنيا! وإنتي أصلًا خريجة تجارة!

نور بهدوء حازم:

ـ أعتقد يا عمي إنك كمان خريج تجارة... ومهما قلت، أنا مش موافقة!

ثم أكملت بترجّي، وعيناها تلمعان بالدمع:

ـ يا عمي... إنت عارف إني قابلة كل شيء إلا جواز القرايب... ناسي أخويا مات ليه؟!

وجدي بإصرار واستماتة:

ـ يا نور، أنا عمك، وبشوف مصلحتك!

عمر بغضب، ونبرة غرور تخترق أذنيها:

ـ بتكلمها كده ليه يا بابا؟! دي تطول أصلاً تتجوز واحد مهندس زيي!

مجدي بغضب، وقد احتقن وجهه:

ـ إنت هتتحايل عليها؟! إحنا هنا الكبار، وإحنا اللي نقرّر!

الجميع ينظر إلى نور بنظرات ضيق وعدم رضا.

زوجة عمها صفية، أبناء عمومتها، كلهم انضموا للهجوم، وأصواتهم اختلطت في خلفية مشوشة خانقة…

لأول مرة... تشعر نور بذلك الشعور القاتل…

الجميع ضدها، الجميع يقرر مصيرها وكأنها لا تملك من أمرها شيئًا.

صرخت فجأة، صوتها اخترق الفوضى:

ـ بس!! بس بقى!!

ثم أكملت، بصوت مرتجف تأثًّرًا وغضبًا:

ـ ما تنسوش إنكم بنفسكم قلتولي بعد التخرج... إني خلاص مش مسؤولة منكم... وإني أتحمل مشاكلي لوحدي!

وقفت لبرهة وهي تنظر لهم جميعًا، ثم أكملت بانكسار وعتب:

ـ المفروض بعد الكلام ده... إني ما أقولكوش عن حاجة بتحصل في حياتي،

بس إنت يا عم وجدي، حنيتك عليَّ، حتى لو مش زي حنيتك على ولادك، خلتني أحترمك، وأشاركك حياتي…

وإنت يا عم مجدي، بالرغم من جفافك، بس دايمًا بتسأل عليا... حتى لو من غير اهتمام حقيقي.

نظرت لهم جميعًا نظرة حاسمة:

ـ عرفتكم كل حاجة بتجرى في حياتي... بس أنتو بنفسكم قلتولي إني بقيت مسؤولة عن نفسي!

ولأني مسؤولة عن نفسي…

فأنا برفض الطلب ده.

أنا لا وحشة… ولا بايرة… علشان أستعجل في الجواز!

استدارت "نور" ناحية الباب، وعينيها بتلمع من الغضب وكبت السنين، لكن فجأة توقفت… استدارت لهم مرة تانية.

بنبرة هادئة لكنها ثابتة، قالت:

– آه صحيح، أنا رايحة بكرة عند "سلوى" صاحبتي، علشان فرحها كمان عشرين يوم، وهقعد معاها الأيام دي.

وهي عزماكم كلكم على الفرح…

ثم التفتت بنظرها نحو عمها "مجدي"، ونظرت له نظرة مباشرة قوية:

– مفيش داعي يا عم مجدي توصلني بكرة… أنا هعرف أروح لوحدي.

---

بعد أن خرجت "نور" من الشقة، خيّم الصمت على المكان لدقائق.

لم يتجرأ أحد على الكلام، وكأن شيئًا انفجر ولم يخلّف سوى الصدمة.

ثم ما لبث "عمر" أن سحب والده "وجدي" إلى غرفة جانبية وأغلق الباب خلفهما.

عمر، بنبرة مضطربة:

– هاعمل إيه دلوقتي يا بابا؟! هي مش موافقة!

وجدي، وقد تلون صوته بالتصميم:

– ولا يهمك يا عمر… أنا هجوزهالك غصب عنها.

عمر، بضيق شديد:

– أنا لو بس ما عنديش المشكلة دي… كانت أي واحدة أشاور عليها ماتصدق وتتمنى تتجوزني!

فجأة، وضع "وجدي" يده بسرعة على فم ابنه، وقال بصوت خافت صارم:

– هشّش! اسكت… افرض حد سامع!

الحيطان ليها ودان…

الكلام ده بينا بس، ماحدش هيعرف الموضوع ده خالص!

---

بعد أن خرجت "نور" من شقة عمّها، أغلقت الباب خلفها ببطء، ثم وقفت في مكانها.

نظرت إلى قدميها بثقل... شعور الوحدة كان مألوفًا، لكنها الآن تشعر باليُتم بشكل مختلف، وكأن صدرها لا يتسع لشيء.

رفعت عينيها للسماء، تشهق وتزفر، ترفرف بيديها على وجهها لتمنع تلك الدمعة من السقوط…

لا، لا تريد أن تبكي.

…

عادت إلى شقتها بخطوات متعبة، أدت فرضها، ثم ارتمت على فراشها، نامت وكأن شيئًا لم يحدث…

لكن الحقيقة أن تلك اللامبالاة بدأت تخيفها هي ذاتها.

ولكن من يدري؟

ربما الغد يحمل الأفضل…

ربما تلك الأمنية التي همست بها لنفسها قبل ليلة،

أنها غدًا، أو بعد غد، أو بعد بعد غد... لن تنام في شقة وحيدة،

ربما قد حان وقت تحققها... وربما صارت أقرب مما تتخيل.image about الفصل الاول : قلبي الأعذر: عذراء المشاعر

----------------------------يتبع

 

تابع جديد نَـسْــج

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق