على مهل… أحبك
على مهل… أحبك
لم تكن ليلى تؤمن بالحب السريع، ولا بالقصص التي تبدأ بنظرة وتنتهي بوعد. كانت ترى أن القلوب مثل البيوت القديمة، لا تُفتح أبوابها بسهولة، ومن يطرقها بعجلة يرحل خائبًا.
كل مساء، كانت تجلس في المقهى الصغير المطل على النيل، تحمل فنجان قهوتها ودفترًا امتلأت صفحاته بكلمات لم تُقال.
في أحد الأيام، جلس آدم على الطاولة القريبة منها. لم يكن مختلفًا في شكله، لكنه كان مختلفًا في حضوره. هادئ أكثر مما يجب، كأنه يحمل ضجيج العالم داخله. رفعت عينيها للحظة، فالتقت بنظرته، ثم عادت سريعًا إلى دفترها. لكنها لم تكتب شيئًا بعدها.
تكرر اللقاء.
لم يتحدثا كثيرًا، لكن الصمت بينهما كان مريحًا على نحوٍ مخيف.
قال لها ذات مرة:
– «تحبي القعدة هنا؟»
أجابت:
– «بحس إنها بتشبهني… هادية من بره، مليانة من جوه».
ابتسم، وكأنها قالت ما كان يريد قوله منذ زمن.
مع الأيام، صار الحديث أطول. أخبرها عن خيباته، عن حب قديم لم يعرف كيف يحافظ عليه. وأخبرته عن خوفها، عن قلب تعب من التعلّق. كان كلٌ منهما يرى في الآخر مرآة لماضيه، وخوفًا من مستقبله.
قال لها في إحدى الأمسيات:
– «أنا بخاف أقرب».
ردت بصوت منخفض:
– «وأنا بخاف أستنى».
اقتربا رغم الخوف.
ضحكات قصيرة، رسائل متأخرة، وقلق دائم من أن ينكسر كل شيء فجأة.
ثم اختفى آدم.
دون وداع، دون تفسير.
عادت ليلى إلى المقهى وحدها، تشرب قهوتها ببرود، وتكتب في دفترها:
الغياب لا يحتاج إلى سبب، لكن القلب يحتاج إلى إجابة.
مرت أسابيع، حتى عاد. وقف أمامها مرتبكًا، عيناه مليئتان بالندم.
– «هربت… لما حسّيت إنك بقيتي مهمة».
نظرت إليه طويلًا، ثم قالت:
– «اللي بيحب ما بيهربش… بس أحيانًا بيرجع».
لم تعد الأمور سهلة.
كان عليهما أن يتعلما الثقة من جديد، وأن يبطئا الخطى. لم يعدا بعضهما بالسعادة، بل بالصدق. لم يتعاهدا على البقاء، بل على المحاولة.
وفي آخر صفحة من دفترها كتبت ليلى:
الحب الحقيقي لا يأتي مسرعًا،
يأتي على مهل…
كي لا يكسر القلب وهو يدخل.
الفصل التالي: ما بعد العودة
لم تكن عودة آدم كافية لتمحو الغياب.
كانت ليلى تنظر إليه وكأنها تراه للمرة الأولى، نفس الملامح، لكن القلب لم يعد بنفس البراءة. الجرح الذي يلتئم ببطء يظل حساسًا للمس.
قالت له وهي تقلّب فنجان القهوة:
– «اللي كسر مرة، ما يرجعش زي الأول».
أجابها بصوت صادق:
– «بس ممكن يتصلّح… لو اللي كسره مستعد يتعب».
اختارت أن تعطيه فرصة، لا لأن الخوف انتهى، بل لأن القلب أحيانًا يتعب من المقاومة أكثر من الخذلان.
الفصل الذي يختبر الحب
مرت الأيام ثقيلة.
كان آدم يحاول الاقتراب بحذر، كأنها زجاج.
وكانت ليلى تحاول ألا تتعلّق كما كانت، لكن المشاعر لا تعرف القواعد.
تأخر مرة عن موعدهما، فانتظرت.
تأخر مرة أخرى، فغضبت.
ثم أدركت أنها عادت تهتم… وأن هذا أخطر اعتراف.
قالت له:
– «أنا مش خايفة منك… أنا خايفة من نفسي لما أحب».
نظر إليها طويلاً:
– «وأنا خايف أضيعك وأنا مش عارف أعبّر».
لحظة الانكسار
جاء الخلاف الحقيقي دون إنذار.
كلمة قاسية، صمت طويل، وذكريات قديمة عادت فجأة.
اتهمته بالهروب مرة أخرى، واتهمها بأنها لا تسامح.
افترقا…
هذه المرة بإرادتهما.
عادت ليلى لدفترها، لكن الكلمات خانتها.
أدركت أن بعض القصص لا تنتهي لأن الحب انتهى، بل لأن التعب زاد.
الفصل الأخير: الاختيار
بعد شهور، التقيا صدفة.
لم يكن اللقاء مرتبًا، ولا رومانسيًا.
كان بسيطًا… حقيقيًا.
قال آدم:
– «لسه بحاول أتعلم إزاي أحب من غير ما أهرب».
قالت ليلى:
– «وأنا بحاول أتعلم أسامح من غير ما أنسى».
ابتسم الاثنان.
لم يعدا نفسيهما بشيء، لكنهما اختارا المحاولة مرة أخرى، على مهل، بلا اندفاع، بلا وعود كبيرة.
وفي الصفحة الأخيرة كتبت ليلى:
الحب ليس أن نجد من لا يخذلنا،
بل أن نجد من يعود…
ويبقى.