قصة نجاح طه حسين

قصة نجاح طه حسين

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

من العجز إلى العَلَم: قصة نجاح طه حسين

طه حسين يعدُّ أحد أبرز الشخصيات في تاريخ الأدب والثقافة العربية في القرن العشرين، حيث تحوّل من طفل كفيف ضعيف البنية إلى رمز ثقافي وفكري يتردد صدى اسمه في محافل الفكر والأدب على امتداد العالم العربي والغربي. رحلة طه حسين لا تقف عند حدود السيرة الذاتية لفردٍ نجح في حياته الشخصية والمهنية، وإنما تمثّل دليلاً واضحًا على قوة الإرادة والتعلم والصمود أمام كل الظروف والأوضاع التي تواجه أي إنسان في سعيه نحو التميز وتحقيق الذات.

النشأة والتحديات المبكرة

وُلد طه حسين في 14 نوفمبر 1889 في قرية «عزبة الكيلو» بمحافظة المنيا بصعيد مصر، وكان السابع بين ثلاثة عشر طفلًا في أسرة فقيرة. في سنٍّ مبكرة أصيب بمرضٍ في عينيه أدّى إلى فقدانه للبصر بسبب علاج خاطئ من قِبل معالج غير مختص، مما شكّل بداية رحلة طويلة من التحديات التي واجهها منذ صغره.

منذ نعومة أظفاره التحق بكتاب القرية حيث حفظ القرآن الكريم في سنٍ مبكرة، وأظهر تفوقًا لافتًا في الحفظ والتلاوة، رغم الإعاقة التي نالها. مع ذلك، ظلّ طه حسين يعشق العلم ويطمح إلى آفاق أبعد مما يوفّره له التعليم التقليدي في قريته.

التعليم الجامعي والإنجازات الأكاديمية

في عام 1902 التحق بالأزهر الشريف للتعمّق في العلوم الدينية والعربية، لكنه سرعان ما شعر بأن المناهج التقليدية لا تلبي طموحه الفكري، فانتقل إلى الجامعة المصرية (جامعة القاهرة فيما بعد) عام 1908، لتكون نقطة تحوّل حاسمة في حياته. هناك انفتح أمامه عالمٌ جديد من المعرفة والفكر المتنوّر، وحصل في عام 1914 على درجة الدكتوراه في موضوع حول الشاعر والفيلسوف أبي العلاء المعري، ليكون أول خريج من الجامعة يحصل على درجة الدكتوراه.

لم يتوقّف طموحه عند هذا الحدّ، إذ سافر بعدها إلى فرنسا لاستكمال دراسته في جامعة السوربون في باريس، حيث حصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة الاجتماعية عام 1917، وهو إنجاز قلّ نظيره في تلك الحقبة، خاصة لشخص كفيف ومن خلفية ريفية فقيرة.

العطاء الأدبي والفكري

عاد طه حسين إلى مصر عام 1919، وتمّ تعيينه أستاذًا في جامعة القاهرة، وسرعان ما صارت أفكاره ومنجزاته محور جدل وثناء في الأوساط الثقافية. لقد ترك بصمةً واضحة في الأدب العربي الحديث من خلال مؤلفاته العديدة التي تجاوزت ستين كتابًا وتشمل نحو 1300 مقالة، منها «الأيام» التي تروي قصة حياته بأسلوب أدبي فريد، و**«في الشعر الجاهلي»** الذي أثار نقاشات واسعة آنذاك.

كما كان لطه حسين دور بارز في إحياء التراث العربي وربطه بالفكر الأوروبي الكلاسيكي، إذ جمع بين الثقافة العربية والآداب الغربية، مما أضفى على كتاباته عمقًا فكريًا ورؤى جديدة في الفكر والأدب.

الإصلاح التربوي ودوره في المجتمع

في عام 1950 عُيّن طه حسين وزيرًا للتربية والتعليم في مصر، فكان من أبرز من دعوا إلى التعليم المجاني للجميع باعتباره حقًا أساسيًا للإنسان، تحت شعار: «التعليم كالماء والهواء». خلال فترة تولّيه الوزارة، سعى إلى توسيع نطاق التعليم وتحويل العديد من المدارس التقليدية إلى مؤسسات حديثة، وأنشأ جامعات ومعاهد جديدة وفتح الباب أمام فئاتٍ واسعة من الطلاب لمتابعة دراستهم.

جهوده في الإصلاح التعليمي أثرت بشكل كبير في المجتمع المصري، وأسهمت في نشر الثقافة بين الطبقات المختلفة، مما عزّز فرص التنمية الاجتماعية والعلمية في البلاد.

الإرث والتكريم

ظل طه حسين طوال حياته مَعلمًا في الفكر والثقافة، عاشقًا للحرية وملتزمًا بالتنوير والنهضة الفكرية. لقب بـ «عميد الأدب العربي» نظرًا لدوره المحوري في تطوير الأدب والنقد، وقد تقدّر إسهاماته بالعديد من الجوائز المحلية والدولية، منها جائزة الدولة العليا في مصر وجائزة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

خاتمة

قصة نجاح طه حسين هي شهادة على قوة الإرادة والتفوق رغم التحديات، ومسيرة تُلهم كل من يطمح إلى تغيير واقعه بالإصرار والعلم. لقد تجاوز طه حسين حدود الإعاقة والظروف المادية، ليصبح منارةً في سماء الأدب والثقافة، ورمزًا خالدًا في ذاكرة الأمة العربية والعالم.


التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Mohamed gado تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.