ابتسامة في المرآة
الجزء الأول: ابتسامة في المرآة

كانت الساعة تشير إلى الرابعة إلا ربعاً عندما استيقظت فجأة دون مقدمات. لا منبه، لا ضجيج في الشارع، فقط ذلك الإحساس القاتل بأن عينين تنظران إليّ من مكان ما في الغرفة. جلست على السرير أتلفت حولي، فلم أر شيئاً. ضحكت بهدوء، لعله كان كابوساً لم أتذكره، ثم توجهت إلى الحمام لأغسل وجهي قبل أذان الفجر.
الممر المؤدي إلى الحمام كان معتماً كالعادة. المصباح الوحيد في السقف لا يعمل منذ شهور، وكنت أتجاهل إصلاحه بدافع الكسل. مشيت حافياً على البلاط البارد، وأنا أسمع صرير الأرضية الخشبية تحت قدمي. عند باب الحمام، توقفت للحظة. شعرت برغبة غريبة في العودة إلى الفراش، كأن جزءاً مني يحذرني مما سأراه. لكني دفعت الباب ودخلت.
حوض الحمام القديم يحمل آثار الصدأ عند الحواف، والمرآة المعلقة فوقه مشقوقة من المنتصف بخط مائل منذ أن سقطت ذات مرة قبل سنوات. فتحت الحنفية، وتركت الماء البارد يجري على يديّ، ثم غرفت منه إلى وجهي. عندما رفعت رأسي ونظرت في المرآة، توقف قلبي للحظة.
الوجه الذي رأيته كان وجهي، لكن شيئاً ما كان خاطئاً. ابتسامتي لم تكن ابتسامتي. انحرفت شفتاي إلى اليسار بينما كنت أنا أميل برأسي إلى اليمين. حسبتها لعبة ضوء أو انعكاساً مشوهاً بسبب كسر المرآة، لكن الابتسامة اتسعت أكثر. نظرت في عينيّ، فلم أجد عينيّ. كانت عينان أوسع، أشد سواداً، تحدقان بي بشراسة لم أعرفها في نفسي قط.
انتفضت للخلف، فاصطدم ظهري بحافة الباب. أغلقت عينيّ وفتحتهما بسرعة، فعادت المرآة إلى طبيعتها. وجهي كان وجهي، عادي، مرهق، لم يعد تتبعني تلك الابتسامة. قلت لنفسي: أنا متعب، أعمل ساعات طويلة، لا أنام جيداً. الخيالات تأتي مع الإرهاق.
خرجت من الحمام وأنا أردد المعوذات بصوت مسموع، أضحك على نفسي في السر. أنا رجل في الثالثة والثلاثين، مهندس إنشائي، أعيش وحدي منذ وفاة جدتي قبل عام. صحيح أن الشقة عتيقة، وصحيح أن الجيران يهمسون أنها كانت مسكونة، لكنني لا أؤمن بالخرافات. الجدتي رحمها الله كانت تصر على قراءة آية الكرسي كل ليلة، وتقول لي: "يا يوسف، القرين مش كلام فاضي. كل واحد ليه قرين، ولو غفل عنه سكن جسده." كنت أضحك وأقول: “حبيبتي، القرين ده كان زمان.”
لكن بعد تلك الليلة، بدأت الأمور تتسارع.
في اليوم التالي، استيقظت لأجد ساعة الحائط القديمة التي توقفت منذ موت جدتي تعمل مجدداً. عقاربها تشير إلى الثالثة إلا ثلثاً، وتكاد تصدر صوتاً خشخشاً خفيفاً. ظننت أن جاراً ما قام بإصلاحها مازحاً، لكن المفتاح كان لا يزال في درج مكتبتي حيث وضعته منذ عام.
بعدها بثلاثة أيام، كنت أضع مفاتيح الشقة في الدرج المخصص لها كما أفعل كل مساء. استيقظت صباحاً لأجدها فوق وسادتي. وضعتها جنبي بدقة، متوازية، كأن يداً رتبتها بينما كنت نائماً. ارتجف جسدي حينها لأول مرة. تفحصت باب الشقة فوجدته مقفلاً بمفتاحين، كما تركته. لكن شيئاً ما كان مختلفاً. الهواء في الشقة أصبح أثقل، كأن شخصاً آخر يتنفسه معي.
في اليوم السابع، وجدت مصحف جدتي مفتوحاً على سورة لم أقرأها من قبل. المصحف كان موضوعاً على الطاولة الصغيرة بجانب السرير، والصفحة مقلوبة على سورة الجن. بجانب المصحف، كان هناك كوب ماء لا أتذكر أنني ملأته. لمسته فوجدته دافئاً، دافئاً بشكل غير طبيعي، كأن فماً حاراً قد شرب منه قبل لحظات. رفعت الكوب لأنظر فيه، فرأيت بصمة شفتين على حافته. بصمة شفتين تشبه شفتيّ تماماً، لكنها أوسع قليلاً، وكأن صاحبها ابتسم وهو يشرب.
فتحت المصحف لأتأكد من الصفحة، فوجدت آية الكرسي مبللة قليلاً. قطرات ماء على كلمة "الْحَيُّ الْقَيُّومُ"، كأن دموعاً قد سقطت عليها. لكنني لم أبكِ منذ جنازة جدتي. لم أبكِ وأنا أحمل نعشها، ولم أبكِ وأنا أفرغ غرفتها من ملابسها. البكاء توقف عندي منذ ذلك اليوم.
جلست على حافة السرير، وأنظر إلى الكوب والمصحف، وأحاول أن أجد تفسيراً منطقياً. لعلي فعلت ذلك وأنا نائم؟ لعلي شربت الماء في غفوة وفتحت المصحف دون أن أنتبه؟ لكن الماء الدافئ كان دليلاً. لو كنت شربت منذ لحظات، لكان الماء لا يزال بارداً. الجو في الشقة بارد، والماء من الثلاجة. لا يمكن أن يصبح دافئاً بهذه السرعة.
تلك الليلة، لم أنم. جلست على الأرض في منتصف غرفة الجلوس، وأنا أقرأ آية الكرسي مراراً. في كل مرة أقرأها، كان المصباح في السقف يومض للحظة. حسبتها أعطالاً في الكهرباء حتى رأيت ظلي على الحائط. كان ظلي ثابتاً، لا يتحرك مع حركاتي. كنت أرفع يدي اليمنى، فظلي كان يظل ساكناً. كنت ألتفت يميناً وشمالاً، فظلي ظل متجهاً نحوي، كأنه ينظر إليّ.
قررت أن أختبر الأمر. وقفت ببطء، ورفعت يدي اليسرى عالياً، ونظرت إلى الحائط. ظلي رفع يده اليمنى. شعرت بقشعريرة تسري في عمودي الفقري. أنزلت يدي، فظل رفع الأخرى. همست: "بسم الله الرحمن الرحيم"، فعاد ظلي إلى طبيعته للحظة، ثم اختفى تماماً. نعم، اختفى. نظرت إلى الحائط فلم أجد ظلاً لي، رغم أن الضوء كان ساطعاً. كنت أقف في منتصف الغرفة تحت مصباح يعمل بكامل قوته، ولم يكن لي ظل.
ركضت إلى الحمام، أسرعت لأنظر في المرآة. رأيت وجهي، لكنني رأيت شيئاً آخر أيضاً. خلف وجهي، في انعكاس المرآة، رأيت غرفة الجلوس. وفي غرفة الجلوس، رأيت ظلي لا يزال ثابتاً على الحائط. لكن الظل كان وحده. جسدي لم يكن هناك ليصنع ظلاً، ومع ذلك كان الظل موجوداً. وكان يتحرك. كان يقترب من المرآة ببطء.
أغلقت عينيّ وبدأت أصرخ: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم". فتحت عينيّ بعد دقيقة، فلم أجد شيئاً. الظل عاد إلى مكانه الطبيعي تحت قدميّ، والمرآة أظهرت وجهي فقط. لكن في زاوية المرآة، على الحافة القصوى، رأيت شيئاً مكتوباً بإصبع على البخار المتكثف على الزجاج. كلمة واحدة: "قريباً".
منذ تلك الليلة، صرت لا أنام إلا وأنا أقرأ المعوذات، ولا أستيقظ إلا وأنا أتأكد من أن ظلي يتبعني. لكنني أعرف في أعماقي أن القرين الذي كانت جدتي تخاف منه، الذي كنت أضحك عليه، قد حان وقته. وأن ما رأيته في المرآة لم يكن مجرد خيال. كان أول خطوة له نحوي.