إيساف ونائلة — حين تتحوّل الذاكرة إلى حجر

إيساف ونائلة — حين تتحوّل الذاكرة إلى حجر

Rating 0 out of 5.
0 reviews

 إيساف ونائلة — حين تتحوّل الذاكرة إلى حجر

 

image about  إيساف ونائلة — حين تتحوّل الذاكرة إلى حجر

 

النبذة  المختصرة:
قصة إيساف ونائلة من أعجب ما رواه التاريخ عن نشأة الأصنام — رجل وامرأة عاقبهما الله فمسخهما حجرًا، ثم جاء الجهل فحوّلهما آلهة تُعبد. درس بالغ العمق فى كيف تصنع الأساطير من الذنب قداسة، ومن العقوبة عبادة.

  • البداية - من هما إيساف ونائلة؟

فى طيّات كتب التاريخ والتفسير وأخبار ما قبل الإسلام، تبرز قصة غريبة مثيرة تجمع بين الخطيئة والعقوبة والضلال المتوارث. إيساف ونائلة اسمان ارتبطا بواحدة من أقدم صور الوثنية العربية، وكان لهما من الحضور فى الجزيرة العربية ما جعلهما من أشهر الأصنام التى أزاحها الإسلام يوم الفتح الأعظم.

وقد تباينت الروايات فى تفاصيل القصة تباينًا طبيعيًا يعكس طول الزمن وتشعّب مصادر النقل، غير أن جوهرها واحد لا يختلف عليه المؤرخون.

  • الرواية التاريخية — ما الذى جرى فى الحقيقة؟

تذهب أشهر الروايات التى أوردها ابن الكلبى فى كتابه الأصنام، وأشار إليها ابن هشام وغيره، إلى أن إيساف كان رجلًا من قبيلة جُرهم، وأن نائلة كانت امرأة من القبيلة ذاتها أو من قريب منها. وقد جمعت بينهما علاقة محرّمة داخل الكعبة المشرّفة أو بالقرب من البيت الحرام، فعاقبهما الله بأن مسخهما حجرين.

وكان المكان الذى وُجدا فيه مكانًا مقدسًا، فوُضع الحجران هناك ليكونا عبرةً وموعظة لمن يرى ولمن يسمع. بيد أن الأجيال تعاقبت، والذاكرة تقلّصت، والحكمة من وراء القصة طُويت، فلم يبقَ فى وعى الناس سوى الحجرين — دون أن يتذكّر أحد لماذا وُضعا هناك أصلًا.

  • المفارقة الكبرى — من عبرة إلى عبادة

هنا يقف المؤرخ والمفكر مذهولًا أمام إحدى أعجب مفارقات التاريخ الإنسانى: حجران وُضعا ليكونا رمزًا للعقوبة والعار، فإذا بالزمن يقلب المعادلة رأسًا على عقب ويجعل منهما معبودَين يُتقرّب إليهما ويُذبح عندهما.

يقول المؤرخون إن الأصنام لم تنشأ فى الغالب من فراغ، بل نشأت من تحريف التعظيم وانقطاع سلسلة الرواية. فحين يتوارث الأبناء حجرًا كان يعظّمه الآباء دون أن يعرفوا السبب، يملأ الخيال الفراغ الذى تركه النسيان — وكثيرًا ما يملؤه بالتقديس.

وهذا بالضبط ما أشار إليه القرآن الكريم حين حكى عن المشركين قولهم: "ما نعبدهم إلا ليقرّبونا إلى الله زلفى" — فالعبادة لم تكن فى نظرهم ضلالًا بل توسّلًا، لأن حقيقة ما يعبدون طُمست وبقيت الطقوس شكلًا بلا روح.

  • الصنمان فى قلب الجزيرة

وصف الرحّالة والمؤرخون القدماء أن إيساف كان يُنصب عادةً عند الصفا أو بالقرب من الكعبة، وأن نائلة كانت تُوضع فى مكان مقابل عند المروة أو بالقرب منها. وبذلك دخل الصنمان فى قلب أقدس بقاع الأرض وأعظمها شأنًا، ليُلوّثا بحضورهما ذكرى ما بناه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.

وكانت قريش وقبائل العرب الوافدة إلى مكة تمرّ بهما وتتمسح بهما وتذبح عندهما القرابين، حتى صار ذكرهما لصيقًا بالحج فى عصر الجاهلية على نحو يصعب الفصل فيه.

  •  يوم الفتح — نهاية الأسطورة

حين دخل النبى محمد صلى الله عليه وسلم مكة فاتحًا فى العام الثامن للهجرة، كان من أوائل ما أمر به إزالة الأصنام التى ملأت المسجد الحرام وما حوله. وكان إيساف ونائلة من جملة ما أُزيل وكُسّر وأُعلن بطلانه، فى مشهد لم يكن مجرد انتصار سياسى بل كان إعلانًا حضاريًا عميقًا: الحجر حجر، والله أكبر من كل ما نحته الأيدى وتوهّمته العقول.

يروى المؤرخون أن بعض النساء من خدم الأصنام كنّ يندبن ويبكين يوم تحطيم تلك الآلهة، مما يكشف كم كان الوهم راسخًا وكم كان الانتزاع منه مؤلمًا حتى حين يكون خلاصًا.

  • الدرس الذى لا يتقادم

قصة إيساف ونائلة ليست مجرد أثر من آثار ما قبل الإسلام يُحفظ فى بطون الكتب، بل هى درس بالغ الأثر متجدد الدلالة. إنها تكشف كيف أن الجهل بالتاريخ لا يعنى نسيانه فحسب، بل يعنى أحيانًا قلبه وتحويله إلى نقيض ما كان.

العقوبة تصبح قداسة. العار يصبح فخرًا. التحذير يصبح دعوة. وهذه المعادلة لا تقتصر على عبادة الأصنام بل تتكرر فى كل زمان حين تنفصل الطقوس عن معانيها ويرث الناس الأشكال دون أن يرثوا الحكمة.

يقول العلامة ابن القيم إن الشيطان لا يُدخل الباطل على الناس دفعة واحدة، بل يُدخله درجةً درجةً — وقصة إيساف ونائلة خير مثال على تلك الدرجات: من ذكرى إلى رمز، ومن رمز إلى تقديس، ومن تقديس إلى عبادة.

خاتمة — الحجر لا يتذكر لكن الإنسان يجب أن يتذكر

انتهت قصة إيساف ونائلة بما يجب أن تنتهى به كل عبادة زائفة — إلى غبار. غير أن الأهم من نهايتهما هو السؤال الذى تتركه قصتهما قائمًا: كم من الحجارة التى نعظّمها اليوم فى حياتنا — ماديةً كانت أم معنوية — كانت فى الأصل عقوبة أو تحذيرًا أو خطأً، ثم لبست بمرور الوقت ثوب القداسة؟

التاريخ لا يُطالب بالحفظ فحسب، بل يُطالب بالفهم. وفهم قصة إيساف ونائلة هو أن العقل الذى لا يعرف أصول ما يعبد، ليس بعيدًا عن الضلال الذى ظنّ أنه لن يقع فيه.

comments ( 0 )
please login to be able to comment
article by
محمود ثابت Rating 4.96 out of 5. user hide earnings
articles

165

followings

512

followings

3360

similar articles
-