البوّاب اللي فتح باب النجاح
البواب الذي فتح باب النجاح
لم يكن "آدم" طالبًا متفوقًا، ولم يكن أيضًا كسولًا. كان فقط شابًا يحمل فوق كتفيه ما لا يحتمله شاب في عمره. كان يدرس في الجامعة صباحًا، ويعمل مساءً في متجر صغير ليساعد والدته بعد وفاة والده. ومع مرور الأيام، أصبحت الحياة أثقل من أن تُحمل، وأصبحت أحلامه تتراجع خطوة بعد أخرى.
في كل صباح، كان يدخل بوابة الجامعة مطأطئ الرأس، فيستقبله بابتسامة رجل خمسيني بسيط، يرتدي زيًا أزرق باهتًا ويجلس على مقعد خشبي بجوار الباب. كان الجميع ينادونه "عم حسن"، بواب الجامعة.
كان عم حسن يلاحظ كل شيء. لاحظ أن ابتسامة آدم اختفت، وأنه لم يعد يتحدث مع أصدقائه، وأنه أصبح يخرج من المحاضرات سريعًا وكأنه يهرب من شيء.
وفي أحد الأيام، بينما كان آدم يغادر الجامعة، ناداه عم حسن قائلًا:
“مالك يا ابني؟ وشك بقاله فترة شايل هم الدنيا.”
ابتسم آدم ابتسامة باهتة وقال:
“مفيش يا عم حسن... كله تمام.”
لكن عم حسن لم يقتنع. قال له بهدوء:
“اللي شايل جبل، بيبان في عينيه.”
كانت تلك أول مرة يشعر فيها آدم أن أحدًا لاحظ ألمه. جلس بجواره لدقائق، وتحولت الدقائق إلى حديث طويل. أخبره أنه يفكر في ترك الجامعة لأنه لم يعد قادرًا على الموازنة بين العمل والدراسة، وأنه يشعر بالفشل مهما حاول.
استمع عم حسن دون أن يقاطعه، ثم قال كلمات لم ينسها آدم طوال حياته:
“بص يا ابني... أنا كنت بحلم أتعلم، لكن الظروف خلتني أسيب المدرسة وأنا صغير. كل يوم وأنا بفتح باب الجامعة للطلبة، بتمنى لو كنت واحد منهم. أوعى تسيب حلم أنا اتحرمت منه.”
ساد الصمت للحظات.
ثم أخرج عم حسن من جيبه ورقة صغيرة مطوية، وقال:
“دي أرقام دكتور في الجامعة. هو راجل محترم، وأنا أعرفه من سنين. روح احكيله ظروفك، يمكن يساعدك.”
في البداية، تردد آدم، لكنه قرر أن يجرب.
ذهب إلى الأستاذ، وشرح له ظروفه كاملة. وبعد أيام قليلة، حصل على منحة لتغطية مصروفاته، وتم تعديل جدوله الدراسي ليتناسب مع ساعات عمله.
مرت السنوات…
وفي يوم التخرج، وقف آدم على المسرح ليحصل على شهادة الامتياز وسط تصفيق الجميع. وبعد انتهاء الحفل، لم يذهب أولًا إلى أصدقائه أو أساتذته، بل اتجه مباشرة إلى بوابة الجامعة.
كان عم حسن يقف في مكانه المعتاد.
اقترب منه آدم، واحتضنه بقوة، ثم قال أمام الجميع:
“الناس فاكرة إن النجاح سببه الذكاء أو الحظ... لكن الحقيقة إن نجاحي بدأ يوم لقيت حد سمعني وأنا ساكت. أنت ما كنتش مجرد بواب... أنت كنت أول واحد فتحلي باب الأمل.”
اغرورقت عينا عم حسن بالدموع، وقال بابتسامة:
“أنا ما عملتش حاجة يا ابني.”
ابتسم آدم وهو يرفع شهادة تخرجه وقال:
“بالعكس... أنت فتحت باب الجامعة كل يوم، لكن في يوم من الأيام فتحت باب مستقبل كامل.”
تمر السنوات، ويصبح آدم مهندسًا ناجحًا. وفي أول مشروع خيري يشارك فيه، يقرر إنشاء صندوق لدعم الطلاب غير القادرين، ويطلق عليه اسم "مبادرة عم حسن".
لأن بعض الأشخاص لا يتركون أثرًا بأموالهم أو مناصبهم، بل بكلمة صادقة في الوقت المناسب.
فقد يغيّر إنسان بسيط حياة شخص كاملة... دون أن يدرك ذلك أبدًا.