همسات الظل الأخير
همسات الظل الأخير
لم تكن القرى النائية تستهويني يوماً، لكن الرغبة في الهروب من صخب المدينة وضجيجها جعلتني أقبل عرض شراء ذلك المنزل القديم على أطراف قرية "وادي الضباب". كان البيت يعود للقرن الماضي، بني بأحجار داكنة ونوافذ خشبية ضخمة تطل على غابة من أشجار الصنوبر الكثيفة. بالنسبة لمهندس معماري يبحث عن الهدوء لإنجاز تصاميمه، كان المكان أشبه بفرصة لا تُفوّت.
في الليلة الأولى، كان كل شيء هادئاً بدرجة مريبة. صمت تام لا يقطعه سوى صوت خفيف لضربات الرياح على الزجاج. جلست في غرفة المكتب في الدور الثاني، تحت ضوء مصباح خافت، أبدو مستغرقاً في أوراقي. وفجأة، سمعت الصوت لأول مرة.
لم يكن صراخاً، ولا وطء أقدام ثقيلة، بل كان همساً ناعماً، كصوت أنفاس متقطعة تلامس جدار الغرفة الخارجي. رفعت رأسي، وظننت أنها مجرد تخيلات ناتجة عن الإجهاد. التفتُّ نحو الزجاج، ورأيت انعكاس الغرفة في النافذة، لكنني لاحظت شيئاً غير طبيعي: ظل مصباح المكتب على الجدار كان يتحرك ببطء، رغم أن المصباح نفسه كان ثابتاً تماماً.
تجمدت الدماء في عروقي. أغمضت عينيّ وأعدت فتحهما، فاستقر الظل في مكانه. حاولت إقناع نفسي بأن تعبي الذهني يلعب بي، وقررت الذهاب إلى النوم.
مرت الأيام، وبدأت الظواهر تزداد غرابة وتوحشاً. لم يعد الأمر يقتصر على الهمسات. أصبحت أشعر بحرارة أنفاس باردة خلف رقبتي أثناء العمل، وتغيرت طاقة المكان لتصبح ثقيلة كأنها تخنق الأنفاس. وفي إحدى الليالي الماطرة، انقطعت الكهرباء فجأة.
أضاءت بروق السماء الغرفة لكسر الثواني، وفي كل ومضة ضوء، كنت ألمح شيئاً لا يمكن لوصفه أن يوفيه حقه. في الومضة الأولى: رأيت خيالاً طويلاً ينبت من زاوية الغرفة. في الومضة الثانية: كان الخيال يتمدد على الأرض مقترباً من طاولتي. وفي الومضة الثالثة: كان الكيان يقف أمامي مباشرة!
لم يملك هذا الكيان ملامح بشرية، بل كان مجرد فراغ أسود حاد، وعينين تلمعان ببريق أحمر باهت، كأنهما جمرتان تحت الرماد. سقطت من كرسيي متراجعاً إلى الخلف حتى ارتطمت بالجدار. لم أستطع الصراخ؛ إذ أُكلت أصواتي في حنجرتي.
همس الكيان بأسماء أناس لم أعرفهم قط، بصوت يتداخل فيه مئات البشر وهم يبكون. في تلك اللحظة، فهمت السر الرهيب الذي يخفيه المنزل: لم يكن المكان مهجوراً لأن أصحابه رحلوا، بل لأن الأرض نفسها بُنيت على مقبرة مجهولة لضحايا حادثة قديمة، وكانت أرواحهم قدُسِرت داخل الجدران، تجذب كل من يسكن المنزل ليصبح جزءاً من هذا الظلام الابدي.
حاولت الركض نحو الباب، لكن الظلال امتدت من الأرض لتلتف حول سدائدي وأطرافي كأنها سلاسل من حديد بارد. كنت أشعر بجسدي يغوص في ظلام الأرض، والهمسات تتصاعد في أذني حتى كادت تفجر رأسي: "لقد أصبحت منا... ولن تغادر أبداً."
مع الشروق، اختفت أصوات الهمسات، وسكنت الغابة من جديد. لكن عندما دخل جاري القروي متفقداً المنزل بعد أيام، وجد المكتب فارغاً تماماً. لم يكن هناك أثر لأي صراع، سوى رسم واحد جديد على الجدار الداخلي للمكتب: ظل إنسان يحاول الهرب، محفوراً في الحجر بأسود لا يزول.