مجرد قتيل الفصل الثاني
***
الفصل الثاني: قطعة مفقودة
أتدعينني لهذا المصير؟
وأتركُ وحدي لخطبٍ عسير؟
أُعاقرُ فيكِ جحيمَ الجفاءِ
ونارُ اشتياقي بقلبي تسير
وقلبُكِ خالٍ، مَشُوقٌ، بَعيدٌ
غَريبٌ عن العِشقِ والمُستجير
مَتى يا مُنايَ يَحِنُّ الفُؤادُ؟
ويَرحَمُ قلبُكِ قلبي الكَسير؟
****
أوتارُ النومِ لفّت شجن أخيرًا بعد يومٍ حافل، مستسلمةً لسكينة غرفتها الجامعية المنفردة. كانت ممددةً بفوضويةٍ وصمت، خصلات شعرها الأشقر تتبعثر على وجهها، وأنفاسها تعلو وتهبط بانتظام.. حتى مزق سكونَها رنينُ الهاتف.
التقطته، وقالت بنبرةٍ يغلبها النعاس: "ماذا هناك؟"
أجابها خالد بنبرةٍ يكسوها التعب: "يبدو أن يومكِ الأول كان شاقاً".
همست بابتسامةٍ وهنة: " خشيتُ أن يفتضح أمري من اليوم الأول! ههههه"
ضحك خالد بخفة: "فال الله ولا فالكِ ! طالما عبرتِ اليوم الأول بسلام، فقد أنجزتِ الكثير".
تمتمت: "شكراً على هذا الإطراء المُهين".
ساد صمتٌ قصير، قطعتْه شجن بصوتٍ خافت: "كيف حالُ أمي؟"
تنهد خالد بأسى: "يقول أبي إن حالتها تسوء.. هو يتكفل بعلاجها الآن، لكنه يخشى الغرق في الديون".
أزاحت شجن خصلات شعرها عن وجهها، وتنهدت بحملٍ ثقيل: "سأتولى الأمر.. بضعة أيامٍ فقط، وسأواجه عائلتي. كل ما أريده الآن هو أن أنقذ أمي.. فهي كل ما تبقى لي في هذه الحياة".
***
أنت يا أمي لعمري عالمي
وشعاع النور في دنيا دمي
يا ملاذاً كلما ضاقت بـي الدنيا
ويا أغلى البرايا في فمي
ليس للدنيا بعينـي أي لون
إن غدوتِ غائبة كالمعتمِ
لا أرى حباً بكل الكون حقاً
إلا حباً في حنانك ينتمي
***
مع بزوغ خيوط الشمس الأولى، بدأت أروقة الجامعة تتنفس حركة غير معتادة؛ الأجواء تُرتَّب على عجل، الأوراق البيضاء تُوزَّع كأنها منشورات سرية، والضحكات الخافتة المكتومة تتطاير في الزوايا، بينما كانت الأيادي تخطُّ بمدادها الكثير من الدراما والشكاوى المخبوءة في صدور الطلاب.
في إحدى القاعات، كان ياسر يضغط بسن قلمه على الورقة بحنق، ويكتب بجرأة:
«طاقم التعليم يضفرون بأسئلة صعبة للغاية ولا يستطيعون تحمل عبئ الشرح أو مراعاة الطالب الجامعي المسكين الذي يعاني ويكافح في الحياة، يهينون الطلاب بشكل مستمر عوضاً من أن...»
وفجأة، استقرت يد أيمن فوق كف ياسر لتوقف اندفاع قلمه المنتقم. التفت إليه أيمن مذهولاً وهمس بحذر: "اتقِ الله يا ياسر! ماذا أبقيت ولم تكتبه؟"
ضرب ياسر يد صديقه مستنكرًا، وأعاد انتشال القلم بعجلة وشغف عارم وهو يجيب: "لدي اليوم كامل، أستطيع كتابة مدونة كاملة إن طلبوا!".
***
وعلى الجانب الآخر، خلف الأبواب المغلقة للمكاتب الفاخرة، كان الصمت يغزل ذهولاً من نوع آخر.
"إنا لله وإنا إليه راجعون..."
انطلقت هذه العبارة بنبرة متهدجة. التفت نبيل نحو سيف، يتدبر ملامح وجهه التي تجمَّدت وتلاشت منها التعبير بفعل الصدمة المباغتة.
وقف سيف مصنمًا، شاخص البصر أمام جبال الأوراق المكدسة التي باتت تطغى على سطح مكتبه الوثير، ولم يتوقف المشهد عند هذا الحد؛ إذ كان الخادم يدخل بوقار حذر، واضعًا أمامه أكوامًا جديدة لا تنتهي.
انتشل سيف إحدى الأوراق بذهول، وعيناه تتسعان مع كل سطر، ثم هتف مستنكرًا: "ألصقوا بورقة الاستبيان ورقة أخرى يكملون فيها فضفضتهم؟!"
عقب نبيل بهدوء دبلوماسي يحمل مسحة من السخرية المكتومة: "أظن أننا فتحنا سدًا دون علمنا".
عقد سيف حاجبيه باستغراب وضيق، وصاح بنبرة حانقة: "تظن؟ بل تيقَّن نبيل!".
ضرب سيف بالورقة التي في كفه عرض المكتب، محدثةً صريرًا حادًا، ثم رفع يديه في الهواء بقلة حيلة واحتجاج صارخ: "ليتني لم أكفل هذه الجامعة!".
لم يملك نبيل أمام هذه الثورة العفوية إلا أن يطلق ضحكة خفيفة دافئة، وقال: "أعانك الله".
تنهد سيف بضيق شديد، ورمى بجسده المتعب فوق مقعده، محاولاً استعادة هدوئه، ثم تمتم بيأس: "ألا توجد ورقة واحدة بردود إيجابية؟"
وبأصابع يغمرها الرجاء الخائب، بدأ سيف يقلب بين تلال الأوراق المتراكمة، علَّ عينه تقع على رقعة واحدة تحمل ثناءً أو ردًا يواسي ورطته.
****
وضعت شجن النقطة الأخيرة في مسودتها، وتأملت الأسطر التي رتبتها بإتقان وعناية. قطع اندماجها صوت ريناد الذي جاء ناعماً ومفاجئاً من مقعد قريب:
— «أنتِ كاتبة؟»
رفعت شجن رأسها عن ورقتها لتلتقي عيناها بعيون ريناد المتسائلة، فأجابتها بابتسامة هادئة ومحايدة:
— «لا، لماذا؟»
لوت ريناد شفتيها بخفة وأشارت بطرف قلمها نحو الورقة المنسقة:
— «تكتبين بنظام ينتمي للكتاب».
ابتسمت شجن بود، محاولةً إبقاء الأجواء عفوية وبسيطة:
— «ليس كما لو أني أنتمي للكتاب حقاً، لكني أحب الترقيم والتظليل لا أكثر».
هنا، رفعت ريناد حاجبها الأيسر ببرود وغرور وسخرية، وعقّبت بنبرة متعالية:
— «هذا يفسر تنظيمكِ».
في تلك اللحظة، شعرت شجن بطاقة ريناد المغرورة تتسلل نحوها؛ كانت أشبه بهالة خانقة تنتمي للغرور والغطرسة، لدرجة جعلت بدن شجن يقشعر غريزياً. حدثت نفسها وهي تراقب ثقتها المبالغ فيها: "أشعر ولكأنها كتلة غرور تمشي على الأرض".
قاطعت هذه الأجواء المشحونة حركة سريعة؛ إذ قدمت حنان وهي تلوح بورقتها بابتهاج طفولي قائلة:
— «نهيت كتابة عشر صفحات متتالية».
تبعتها ضحكة روان الممتلئة بالتهكم وهي قادمة في إثرها، لتردف معلقة:
— «سينجلط السيد سيف اليوم».
توقفت يد شجن عن جمع أشيائها، ورفعت حاجبها باستغراب حقيقي:
— «من هو سيف؟»
التفتت إليها روان وأجابتها بتلقائية سريعة:
— «يقال إنه المالك للجامعة».
لم يكد الكلام ينتهي حتى تدخل ياسر بالحوار رغماً عنه ومن خلف مقعده، هاتفاً بلهجة حاسمة:
— «ليس كذلك!».
استدارت ريناد نحوه فوراً، وقد شعرت بالقرف والضيق من تدخل ياسر غير المبرر في حديثهن، وقالت بحدة لاذعة:
— «ما حشرك في حوارات الفتيات؟».
شعر ياسر بنفور مشابه من نبرة ريناد المستعلية، فنظر إلى قامتها الممشوقة وقابل تحديها بمثله قائلاً:
— «تتكلمين كما لو أني قاطعتكِ أنتِ يا عمود المنارة».
اشتعل وجه ريناد بغضب وحنق عارم، وتقدمت نحو خطوته وهي تصيح:
— «مالذي دعيتني به للتو؟»
لم يتراجع ياسر شبرًا واحدًا، بل ثبت نظراته في عينيها بتحدٍ مجيباً:
— «عمود المنارة».
تصلبت الأنفاس في القاعة، واستمرا ياسر وريناد في التحديق ببعض بكراهية وحقد ولكأن النيران ستشتعل بينهما من فرط الكراهية. وقبل أن تتطور المشاحنة إلى ما لا تحمد عقباه، اندفعت حنان بخفة لتبعد بعضهما عن بعض وتضع مسافة كافية بينهما، قائلة بقلة صبر:
— «اهدآ ليس وقت الشجار، المسألة أصغر من أن تحدثا لها حرباً الآن».
وسط هذا الصخب والنزاع العابر، لم يهدأ عقل شجن التي ظلت معلقة بالكلمة الأولى. عقدت حواجبها باستنكار، وضربت بيدها رفقاً على الطاولة لتستعيد انتباههم وهي تصر على معرفة الحقيقة:
— «لم تجيبوا على سؤالي، من يكون هذا سيف؟ هل هو مالك الجامعة حقاً؟؟؟؟»
هز ياسر كتفيه متنهداً وهو يحاول التخلص من حدة الموقف:
— «يقال إنه كذلك لكن ليس مؤكد».
في تلك الثانية، انقطعت شجن عن أصوات زملائها وشردت بتفكيرها تماماً. اجتاحتها حيرة ثقيلة زلزلت ثقتها بالأوراق التي تحميها؛ وتساءلت بنبضات قلب متسارعة: "كيف ذلك؟ قرأت بيانات الملكية كلها منسوبة لأبي، مالذي غفلت عنه آنذاك؟"
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق