الساعة التي توقفت عند منتصف الليل

الساعة التي توقفت عند منتصف الليل

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about الساعة التي توقفت عند منتصف الليل

الساعة التي توقفت عند منتصف الليل

لم تكن قرية وادي السرو مكانًا يزوره الغرباء.

كانت تقع بين جبلين شاهقين، تحيط بها غابة كثيفة لا تصل إليها أشعة الشمس إلا لساعات قليلة من النهار. وفي منتصف القرية، كان هناك برج حجري قديم تعلوه ساعة ضخمة، توقفت عقاربها منذ عشرين عامًا عند الساعة الثانية عشرة تمامًا.

لم يكن أحد يعرف السبب.

كان أهل القرية يقولون إن الساعة تعطلت في الليلة التي اختفى فيها ثلاثة أشخاص، ثم توقفوا عن الحديث عن الأمر بعد ذلك. ومع مرور السنوات، أصبح البرج جزءًا من القرية؛ مبنى قديمًا يراه الجميع، لكن لا أحد يقترب منه.

إلا آدم.

كان آدم في التاسعة عشرة من عمره عندما بدأ يسمع صوت الساعة في أحلامه.

في كل مرة كان يحلم بالمكان نفسه: البرج، والسماء مغطاة بالغيوم، والساعة تشير إلى الثانية عشرة. ثم يسمع صوتًا يأتي من داخل البرج:

“لا تبحث عني.”

وكان الصوت مألوفًا بشكل مخيف.

صوت والده.

اختفى والد آدم عندما كان في السادسة من عمره، ولم يعرف أحد ماذا حدث له. أخبرته والدته أن الرجل خرج من المنزل ذات ليلة ولم يعد، وأن الأفضل له ألا يسأل كثيرًا.

لكن آدم لم ينسَ.

وفي ليلة شتوية هادئة، بينما كانت الرياح تضرب نوافذ منزله، حدث شيء لم يحدث منذ عشرين عامًا.

دقت الساعة.

دقة واحدة.

ثم ثانية.

ثم استمرت حتى وصلت إلى اثنتي عشرة دقة.

استيقظ آدم مذعورًا.

جلس على سريره للحظات، يحاول إقناع نفسه بأنه كان يحلم. لكنه عندما نظر من النافذة، رأى شيئًا جعله يتجمد في مكانه.

عقارب الساعة تحركت.

لم تعد تشير إلى الثانية عشرة.

كانت تشير إلى الثانية عشرة وسبع دقائق.

ارتدى معطفه وخرج من المنزل دون أن يخبر والدته.

كان البرج أكثر ظلمة مما تخيله. الباب الخشبي القديم كان مفتوحًا، رغم أن أهل القرية أقسموا أنه لم يُفتح منذ سنوات.

دخل آدم.

كانت رائحة الغبار والرطوبة تملأ المكان، وعلى الجدران ظهرت كتابات قديمة لم يرها من قبل.

صعد السلالم الحجرية حتى وصل إلى غرفة الساعة.

وهناك وجد شيئًا لم يكن يتوقعه.

صندوقًا خشبيًا صغيرًا، وعلى غطائه اسم محفور:

“إلى آدم.”

توقف قلبه للحظة.

فتح الصندوق بيد مرتجفة، فوجد بداخله صورة قديمة لوالده، ومفتاحًا نحاسيًا، وورقة مطوية.

فتح الورقة.

كان عليها سطر واحد:

“إذا بدأت الساعة من جديد، فهذا يعني أنني لم أمت.”

جلس آدم على الأرض.

لم يستطع التفكير.

كان والده حيًا؟

بعد عشرين عامًا؟

أم أن شخصًا ما كان يحاول دفعه إلى مكان لا يعرفه؟

وبينما كان يحدق في الورقة، سمع صوت خطوات خلفه.

التفت بسرعة.

لم يكن هناك أحد.

لكن باب الغرفة أُغلق.

حاول فتحه، فلم يتحرك.

ثم بدأت الساعة تتحرك مرة أخرى.

دقة واحدة.

تبعها صوت خافت يأتي من خلف الجدار.

اقترب آدم ووضع أذنه عليه.

سمع صوتًا.

“آدم...”

تراجع خطوة.

كان الصوت صوت والده.

بحث عن مصدره حتى وجد فتحة صغيرة خلف إحدى الحجارة. أخرج المفتاح النحاسي الذي وجده في الصندوق، وجربه في قفل مخفي داخل الجدار.

صدر صوت طقطقة.

وانفتح ممر ضيق.

لم يكن آدم يعرف أن البرج يحتوي على هذا المكان.

دخل الممر، وكان يمتد إلى أسفل القرية.

كلما تقدم، وجد علامات محفورة على الجدران، بعضها يشبه عقارب الساعة، وبعضها يحمل الرقم 12.

وفي نهاية الممر، وجد غرفة صغيرة.

كانت تحتوي على مكتب، وكرسي، ومجموعة من الأوراق القديمة.

وعلى الجدار صورة كبيرة للقرية.

لكن شيئًا واحدًا كان غريبًا.

كانت الصورة تظهر القرية قبل عشرين عامًا، وفي وسطها والده يقف بجانب رجلين آخرين.

وبجانب الصورة كُتبت عبارة:

“الحارس الأول، الحارس الثاني، الحارس الثالث.”

ثم وجد آدم دفترًا قديمًا.

فتح الصفحة الأولى.

كان الخط هو خط والده.

كتب:

“إذا كنت تقرأ هذه الكلمات، فقد عادت الساعة إلى العمل. وهذا يعني أن الوقت الذي انتظرناه طويلًا قد وصل.”

قلب آدم الصفحة.

“هناك سر تحت القرية. سر لم يكن من المفترض أن يعرفه أحد. منذ مئات السنين، كان البرج يستخدم لحماية شيء لا يجب أن يصل إليه البشر. لكن مع مرور الوقت، نسي الناس السبب، وبقيت الساعة وحدها تذكرهم.”

توقف آدم عن القراءة.

كان هناك صوت يأتي من آخر الغرفة.

خطوات.

هذه المرة كانت حقيقية.

أغلق الدفتر بسرعة.

ظهر رجل عند مدخل الغرفة.

كان يرتدي معطفًا أسود، وشعره تحول إلى اللون الرمادي.

رفع الرجل رأسه.

نظر آدم إليه طويلًا.

ثم قال الرجل:

“لقد تأخرت كثيرًا.”

لم يستطع آدم الكلام.

اقترب الرجل خطوة.

ثم قال:

“أنا والدك.”

ساد الصمت.

كل الأسئلة التي حملها آدم عشرين عامًا تجمعت في لحظة واحدة.

لماذا اختفى؟

لماذا تركه؟

ما الذي يخفيه البرج؟

ولماذا بدأت الساعة الآن؟

لكن والده لم يمنحه فرصة للسؤال.

أشار إلى باب حجري خلفه وقال:

“ليس لدينا وقت. عندما تصل الساعة إلى الواحدة، سيُفتح الباب.”

نظر آدم إلى ساعته.

كانت الساعة تشير إلى الثانية عشرة وخمس وخمسين دقيقة.

خمس دقائق فقط.

وفي مكان ما فوقهما، بدأت ساعة البرج تتحرك من جديد.

تك... تك... تك…

نظر آدم إلى والده.

ثم إلى الباب الحجري.

وفهم للمرة الأولى أن اختفاء والده لم يكن نهاية قصة قديمة.

بل كان بداية قصة ظل الجميع يخافون من استمرارها.

وعندما وصلت عقارب الساعة إلى الثانية عشرة وتسع وخمسين دقيقة، سمع آدم صوتًا آخر يأتي من خلف الباب.

صوتًا لم يكن صوت والده.

كان صوتًا أعمق.

وأقدم.

قال:

“لقد عاد الحارس.”

انطفأت الأنوار.

وتوقفت الساعة.

ثم…

دقت الواحدة.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Kareem Ebrahim تقييم 5 من 5.
المقالات

5

متابعهم

6

متابعهم

6

مقالات مشابة
-