أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشريناكتب · انشر · نمُ
قصص رعب

لا تنظر للخلف

تكتشف "سارة" أن الكائنات تتغذى على وعي من ينظر إليها وتتكيف للمهاجمة من الأعلى، فتضطر للفرار مجدداً عبر الأنفاق المظلمة.

Aya RazkAya Razkالكاتب 4 د للقراءة 0.00 المراجعات
لا تنظر للخلف

لا تنظر للخلف

image about لا تنظر للخلف

الجزء الثاني

سقطت سارة في حبائل الفزع، لكن قبل أن تتمكن من الصراخ، امتدت يدٌ قوية تُلبس قفازاً تكتيكياً وحجبت رؤيتها تماماً.

​"لا تنظري للأعلى! انظري إلى حذائكِ فقط!"

جاء الصوت حازماً عبر مكبر صوتٍ مدمج في خوذة أحد الحراس. سحبها الحارس بسرعة من درعها التكتيكي واقتادها نحو ممرٍ داخلي، مستخدماً شاشة رؤية سفلية تعكس الأرضية فقط.

عقبت عملية تطهير سريعة اقتادت سارة إلى غرفة قيادة محمية تحت الأرض. لم تكن الغرفة مليئة بالجنود، بل بالعلماء وشاشات العرض المظلمة. هناك، التقت بالدكتور "عادل"، أحد الباحثين القلائل الذين نجحوا في تحليل الظاهرة قبل انهيار الاتصالات.

أعلم ما تريدين معرفته يا سارة،" قال الدكتور عادل وهو يشير لها بالجلوس أمام طاولة خالية من أي أسطح لامعة. “تلك الكائنات ليست أشباحاً ولا فضائيين. إنها تُسمى الكيانات الإدراكية.”

​بدأ الدكتور عادل يشرح لها الحقيقة المرعبة:

المنشأ: لم تأتِ هذه الكائنات من مجرة أخرى، بل كانت تعيش في "الزوايا الميتة" للإدراك البشري منذ آلاف السنين. كانت مجرد أساطير ونشيج خفيف ينسبه الناس للجن أو الهلاوس. لكن التجربة الفيزياء الفلكية التي جرت قبل أسبوع في أحد المراكز البحثية أطلقت موجة كهرومغناطيسية شقت نسيج الرؤية، مما أتاح للكيانات التجسد في واقعنا الفيزيائي.

طريقة الصيد: هذه الكائنات لا تملك أجساداً ثابتة، بل تتغذى على الإدراك البشري والمشاعر. عندما تنظر إليها، يُكتمل وجودها في عقلك أولاً، ثم تستخدم ذكرياتك الأكثر إيلاماً (أصوات الراحلين، نداءات الاستغاثة) لتجبرك على منحها انتباهك الكامل. بمجرد أن تثبت عينك عليها، تلتقط تركيزك وتبتلع وعيك، وتحول جسدك إلى مجرد غلاف خاوٍ.

المدى العالمي: العالم الخارجي سقط خلال ساعات. المدن الكبرى أصبحت صامتة تماماً. من نجا هم فقط من أغمضوا أعينهم أو صمّوا آذانهم أو حصروا نظرهم في حدود أقدامهم.

وماذا عن الشيء الذي كان في السقف؟" سألت سارة وهي ترتجف.

​تنهد الدكتور عادل بأسى: “إنها تتكيف. عندما أدركوا أن البشر تعلموا عدم الالتفات للخلف، بدأت تتجمع في الأماكن التي لا يتوقعها أحد—السقف، الظلال العالية، وحتى الأسقف المستعارة. إنهم يستغلون غريزة النجاة لدينا.”

​في تلك اللحظة، اهتزت القاعدة تحت أقدامهم. انطفأت الأضواء الرئيسية وحلت محلها إضاءة الطوارئ الحمراء الخافتة.

على الشاشة المركزية للغرفة، ظهرت رسالة تحذيرية برتقالية:

​[تنبيه: تم اختراق أجهزة التكييف السقفية في القطاع B]

ارتفع صوت صرير معدني حاد من أعلى الغرفة... نفس صوت سحب الشيء الثقيل الذي سمعته سارة في شقتها. بدأت بقع سوداء كالمداد تسيل من فتحات التهوية السقفية وتتجمع في الهواء فوق رؤوس الجميع.

وقف الحراس في الغرفة، ورفعوا أسلحتهم بشكل آلي نحو السقف... لكن سارة صرخت بأعلى صوتها:

“لا ترفعوا رؤوسكم! لا تنظروا لأعلى!”

​لكن الأوان كان قد فات بالنسبة لاثنين من الحراس؛ التقت أعينهم بالكتلة السوداء المنحدرة من السقف. في كسور من الثانية، اتسعت حدقات أعينهم بتصلب، وسقطت أسلحتهم على الأرض، ثم بدأت أجسادهم تلتف بزوايا غير طبيعية كأن شيئاً يمتص وعيهم من الداخل.

​سحبت سارة الدكتور عادل من ذراعه وأجبرته على النظر للأرض: “المخرج! أين المخرج السفلي؟”

​أشار عادل بيده وهو مثبت عينيه على حذائه: “هناك... أنبوب التصريف الأرضي. يؤدي إلى مياه الأنفاق القديمة. لا توجد أسقف هناك، فقط أنفاق ضيقة.”

​زحف الاثنان على أطرافهما وسط أصوات الهمس المتضاربة التي بدأت تملأ الغرفة—أصوات أبنائهم، أمهاتهم، ورؤسائهم الراحلين. كان الهواء يزداد برودة وثقلاً، لكنهما واصلا الزحف نحو الفتحة الأرضية دون إلقاء نظرة واحدة لأعلى.

أنزلا جسديهما داخل أنبوب التصريف الضيق وانسحبا للأسفل، متخليين عن غرفة القيادة التي ابتلعها الصمت كلياً.

​عندما وصلا إلى مجرى الأنفاق السفلية المظلمة، كانت المياه تصل لركبتيهما. سارعت سارة بإخراج كشافها اليدوي ووجهته نحو الأرضية المائية فقط.

قال عادل بنبرة متقطعة وهو يلهث: “الآن عرفنا أنهم فوقنا وخلفنا... كيف سننجو في عالم لا يمكننا فيه النظر لأي اتجاه؟”

​نظرت سارة إلى انعكاس الضوء الضئيل على سطح الماء تحت قدميها، وقالت بثبات:

“لن ننظر. سنعتمد على اللمس والصوت فقط. سنغمض أعيننا تماماً... فالشيء الذي لا تراه، لا يمكنه أن يراك.”

​أغلقت سارة عينيها، وربطت قماشاً أسود حول وجهها، وأمسكت بيد الدكتور عادل لتبدأ رحلتهما في الظلام المترامي.

 

تابع جديد Aya Razk

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق