
ممالك البحر السبعة : الجزء الأول
قرية مارينا: حيث تُخبئ الأمواج أسرارًا أقدم من الزمن
تقف قرية مارينا على حافة البحر، تتمايل بين ضوء النهار وظلال الغروب. تتوزع بيوتها البيضاء على طول الشاطئ، في تناسقٍ يبدو وكأن الطبيعة نفسها أرادت أن ترسم لوحة فنية. تنمو أزهار الياسمين على جدران المنازل وفي حديقة كل بيت، تشمخ بعبيرها الذي يملأ المكان. في الميناء الصغير، ترسو قوارب الصيد الخشبية بانتظام، كأنها تحفظ ذكريات كل رحلة بحرية.
أنت تقف في قلب القرية وتشعر بنبض البحر المتردد خلف صوت الأمواج. تتساءل عن تلك القصص القديمة التي تُروى في ليالي الشتاء، عن سفن غارقة وحكايات البحّارة المفقودين. السكان يتحدثون عن أسرار البحر بصوت منخفض، وكأنهم يخشون أن توقظ قوىً لم تعد لتكون في أمان.
في زاويةٍ هادئة من القرية، تجد صخرةً كبيرة تُعرف باسم "صخرة الحورية". يقضي فيها نيرون، الفتى الخجول الذي بلغ السادسة عشرة، ساعات طويلة يتأمل الأفق. منذ وفاة والديه في عاصفة بحرية غامضة قبل خمس سنوات، أصبح البحر ملاذه الوحيد. تركت له الخسارة ندوبًا في قلبه، لكن البحر حمل في طياته شفاءً غامضًا.
كان نيرون يجلس على الصخرة، يتحدث مع نفسه بصوتٍ خافت، يسرد قصصًا لا يفهمها سوى هو. كان يشعر بأن هناك شيئًا غريبًا في الأمواج، شيئًا يتجاوز كونها ماءً باردًا. في إحدى الليالي، عندما كانت رياح الخريف تعصف، تساءل بصوتٍ يملؤه الحيرة:
"لماذا أشعر بأن هذا البحر يحمل في أعماقه سرًا أكبر من مجرد ماء؟"
في تلك اللحظة، ارتسم على وجهه تعبيرٌ يجمع بين الخوف والفضول. كان قلبه ينبض بسرعة، وكأن البحر يناديه لاستكشاف أسراره. لم يكن يعلم أن القدر قد اختار له مسارًا جديدًا، مسارًا سيغير حياته إلى الأبد.
أمام عينيك تتوالى الصور؛ أمواج تتلاطم بقوة، وأنوار خافتة تنعكس على سطح الماء كالشموع الصغيرة. تشعر بأن كل حجر وكل نسمة هواء تحكي قصة من قصص الماضي. تخيل أن تكون جزءًا من هذا المشهد، وأن تسمع همسات البحر التي تنقل رسائل من عالمٍ بعيد.
• تذكّر كيف كان والداه يحكيان له عن الأساطير القديمة
• كيف كان يسمع أصوات البحر كأنه لغةٌ خاصة
• كيف كان يتسلل إلى زوايا القرية ليستمع إلى الهمسات التي تحمل أسرارًا

كانت القرية تعيش في حالةٍ من الانتظار والترقب، كما لو أن كل نسمة هواء وكل موجة كانت تحمل وعدًا بمستقبلٍ مجهول. الأطفال يلعبون في الشوارع الضيقة، والكبار يتبادلون النظرات الحذرة عند مرورهم بجانب البحر. كان هناك شيءٌ غير ظاهر، يكمن خلف جمال المكان.
في تلك الليلة، وبينما كان نيرون يتأمل في الأفق، التقت عينيه برمزٍ غامض في ضوء القمر. كان البحر يبدو وكأنه يفتح صفحةً جديدة، صفحةً تحمل في طياتها بدايةً لقصة لم تُروَ بعد. وبينما كان قلبه ينبض بخفة، شعر بأن هناك دعوة صامتة تنتظره، دعوة لا يستطيع تجاهلها.
نيرون وقف لفترةٍ طويلة يفكر في تلك الإشارة، وفي أسرار البحر التي لم تُفهم بعد. كلما دقت ساعة، كان يشعر بأن الزمن يتباطأ وأن الماضي والمستقبل يمتزجان مع بعضهما البعض. كانت لحظة تأملٍ صامتة قبل أن يبدأ في الاستعداد لرحلة غير متوقعة.
القوقعة الملعونة: عندما يلمس الإنسان قدرًا لا يفهمه
في صباحٍ عاصف، كان نيرون يتجول قرب الشاطئ، يتفقد الصخور بحثًا عن أدلةٍ من الماضي. أثناء تجواله، لمح ظلًا أسود يتحرك بسرعة تحت سطح الماء. كان الظل يبدو وكأنه يحاول إخفاء سره.
بدأ قلب نيرون ينبض بقوة، وشعر بأن هناك شيء غير عادي. تساءل بصوتٍ منخفض: ما الذي يتحرك هناك؟ ولم يمض وقتٌ طويل قبل أن يدرك أن هذا ليس مجرد حوت صغير. كانت الحركة غريبة وسريعة، تحمل نبرةً من التعمد والخطورة.
قرر نيرون أن يتبع الحدس الذي لا يخونه. دون تردد، قفز إلى الماء البارد. كان الماء يلامس جسده بقوة، كأنه يحاول أن يوقظه من غفلةٍ قديمة. في أعماق البحر، وبين الصخور الملساء، كان التيار يحمل معه كنوزًا وأسرارًا خطيرة.
تحت سطح الماء، لمحت عيناه وميضًا أزرق في أعماق الصخور. اقترب ببطء حتى اكتشف أن ذلك الوميض ينبعث من قوقعة. لم تكن قوقعة عادية، بل كانت تشع ضوءًا ينبض كنبض قلب حي. كانت القوقعة مغطاة بنقوشٍ غريبة لا يستطيع فهمها، وكأنها تحمل لغةً قديمة لا تزال مجهولة.
حين أمسك نيرون بالقوقعة، شعر كأن هناك قوةً خفية تسحبه إلى أعماق البحر. حاول أن يصرخ، لكن الماء امتلأ فمه بسرعة، وأصبح الصوت محصورًا بين ضجيج الأمواج. لم يستطع التحكم في جسده، وكأن القدر قد أخذ بزمام الأمور.
في تلك اللحظة، قبل أن يغمض نيرون عينيه، سمع صوت امرأة تهمس بصوتٍ هادئ، يقول:
"أخيرًا... وجدتك."
تلك الكلمات حملت في طياتها معانٍ لم يستطع نيرون استيعابها. كان الصوت يأتي من مكانٍ بعيد، من قلب البحر ذاته. حينما انطفأت أنوار الوعي في ذهنه، بدأت رحلة القدر تنسج خيوطها على جسده وروحه.
في أعماق البحر، كانت القوقعة تضيء الطريق بلمعانها الأزرق، تخلق عالمًا جديدًا بعيدًا عن الواقع الذي عرفه. لم يكن نيرون يعلم أن هذه اللحظة ستفتح له بوابةً لعالمٍ لم يكن يتخيله، عالمٌ تسكنه الممالك السحرية والأسرار العتيقة.
• تذكر أن البحر يحمل أسرارًا لا تُفصح بسهولة
• تذكر أن كل لمسة من البحر تحمل وعدًا بمغامرة جديدة
• اسأل نفسك: هل أنت مستعد للغوص في أعماق المجهول؟

وفي تلك اللحظات العميقة، شعر نيرون بأن كل خلية في جسده تنبض بقوةٍ غير مألوفة. كانت القوقعة تمنحه طاقةً جديدة، قوةً غامضةً لم يعرفها من قبل. أصبح الاتصال بينه وبين البحر أكثر من مجرد لقاء عابر؛ أصبح رابطًا لا ينفصم بين الإنسان وأسرار الطبيعة.
عندما استعاد وعيه، وجد نفسه محاطًا بعالمٍ جديد، عالمٍ غارق في اللون الأزرق، عالمٍ تحكمه قوانين لم يكن يعلمها. كان كل شيء مختلفًا، وكان البحر يهمس له بأسرارٍ لم تعد للكلمات معنى. كانت تلك اللحظة بدايةً لرحلةٍ ستأخذه إلى عوالم جديدة وتكشف له عن قدراتٍ لم يكن يحلم بها.
الصحوة في عالم مُقلوب: أطلناريا تُحيي الموتى
فتح نيرون عينيه ببطء، ليجد نفسه مستيقظًا في مكان لم يكن يشبه أي عالمٍ يعرفه. استيقظ في سرير مصنوع من أوراق الشعب المرجانية الحمراء، في غرفة زجاجية تطل على مدينة تحت الماء. الهواء كان مشبعًا برائحة الملح والياسمين، وكل زاويةٍ من المكان تنطق بالغموض.
نظر حوله بدهشة، إذ لم يكن متأكدًا مما إذا كان يحلم أم أنه واقعٌ جديد. جسده كان يلبس رداءً فضفاضًا مطرزًا برموزٍ غريبة، تعكس تاريخ حضارةٍ قديمة. وفي تلك اللحظة، دخلت إلى الغرفة امرأة لها حضورًا لا يوصف. كانت سيرينا، كائن هجين بين امرأة وأخطبوط، بشعرها الأبيض الذي ينساب حول وجهها ببرودٍ وحزم.
قالت سيرينا بنبرة حازمة:
لقد نجوت لأن القوقعة اختارتك. لكن معها جاء خطرٌ لا يمكنك تجاهله. لقد أصبحت هدفًا لمن يسعى لاستعادة قواها.
شرحت له أن البحر ليس مجرد ماءٍ بل هو مملكةٌ حية، عالمٌ يُعيد تشكيل الواقع بطرقٍ لا يمكن للبشر فهمها بسهولة. تحدثت عن لعنة الممالك السبعة، قوة سحرية قديمة حُفرت في أعماق البحار.
قالت:
أطلناريا، المملكة الأولى، تترنح بسبب خيانةٍ قديمة. مفاتيح البوابات السبعة مبعثرة بين العوالم، ومن خلالها يمكن للعالم أن يتغير إلى الأبد.
شعر نيرون بالحيرة، إذ أن كل شيء بدا وكأنه قصة أسطورية تُروى للأطفال. لكنه كان يعلم جيدًا أن تلك القصص تحمل حقيقةً كامنة، وأنه هو المفتاح لفتح تلك الأسرار.
سيرينا واصلت:
لقد وصلت إلى عتبة عالمٍ مُقلوب، حيث الحياة والموت يتداخلان. هنا تُحيي الممالك الميتة، ويعود الماضي ليستقر في الحاضر. أنت الآن جزء من هذا الكون.
كان قلب نيرون يخفق بسرعة، والمزيج من الخوف والفضول يملأ روحه. بدأ يدرك أن هويته لم تعد تلك الهوية البسيطة التي عرفها في قريته. أصبح الآن جسدًا يحمل مزيجًا من دماء البشر وحوريات البحر، وذاك مزيج يحمل معه قوىً وإمكانيات غير متوقعة.
• اسأل نفسك: هل تجرؤ على مواجهة ما لا يمكنك فهمه؟
• هل تملك الجرأة لتقبل قدرٍ لا تشاءه، لكن لا مفر منه؟
• هل ستظل تخاف من المجهول، أم ستنطلق لاكتشافه؟

في تلك اللحظة، أدرك نيرون أن صحوته ليست مجرد استيقاظ من النوم؛ بل هي ولادةٌ جديدة في عالم تتداخل فيه الحقيقة مع الخيال. وبينما كان يتأمل المكان، شعر بأن كل شيء حوله يعبق بالأسرار. كان صوت الأمواج يصمت قليلاً ليترك المجال للهمسات التي تنبع من الأعماق.
أطلناريا لم تكن مجرد مدينة تحت الماء، بل كانت عاصمة حضارةٍ قديمة، حضارةٍ استخدمت السحر والمشاعر كأدواتٍ للتحكم في قوى الطبيعة. كل رمزٍ محفور على جدران الغرفة كان يحمل قصةً، وكل تمثالٍ زجاجي كان يشهد على معاركٍ خاضتها قوى البحر منذ أزمانٍ بعيدة.
في تلك الغرفة، بدأ نيرون يدرك أن الطريق أمامه طويل ومليء بالتحديات. كان عليه أن يكتشف أسرار مملكة أطلناريا وأن يفهم قوة القوقعة الملعونة التي حملها. كان عليه أن يقبل حقيقته الجديدة وأن يتعايش مع قدرٍ لم يكن قد اختاره، لكن القدر كان أقوى منه.
لقاء أزور: الحارس الذي يحمل جراح الماضي
في حدائق القصر البلوري والذى ادهش نيرون أن يرى مثلها تحت الماء، كانت الزهور تنمو على شكل دوائرٍ متداخلة، وكأنها تروي قصصًا عن أمجادٍ ماضية. كان المكان هادئًا، ولكن الهواء كان مشبعًا بالتوتر الذي لا يخفى على من يملك عينًا للرؤية. هنا، التقى نيرون بمخلوق غامضٍ لم يكن يتوقع أن يلتقي به في هذا العالم الجديد.
وقف أزور عند مدخل الحديقة، يرتدي درعًا معدنيًا مصقولًا بتفاصيل دقيقة. كان وجهه يحمل آثار الزمن؛ تجاعيدٌ تحكي عن معاركٍ قاسية وعيونٌ تلمع بذكرياتٍ لا تُنسى. لم يكن أزور مجرد حارس؛ كان حارس الأسرار القديمة وبوابة الدخول إلى عالمٍ لا يمكن للبشر فهمه بسهولة.
بدأ الحوار بينهما بنبرةٍ هادئة ولكنها مشحونة بالفضول والترقب. نظر أزور إلى نيرون بعينين عميقتين، وقال:
ليس كل من يحمل دماء البحر يكون بطلًا. أنت تحمل في عروقك مزيجًا من البشر وحوريات البحر. هذا ما يجعلك مختلفًا.
كشف أزور عن حقائق صادمة عن نيرون:
• أن دماء الحوريات يجري في عروقه
• أن والدته كانت أميرة هاربة من مملكة ثالاسيا المفقودة
• أن القوقعة الزرقاء ليست مجرد قطعة أثرية، بل هي قلب الملكة أتلانتيس التي استخدمتها للتحكم في المد والجزر
كان الكلام ينساب ببطء، كما لو أن كل كلمة تحمل معها صورا لمشاهد من التاريخ. خلال الحوار، بدأت جدران القصر تهتز فجأة من صوتٍ غريب. اندفعت مخلوقات تشبه أسماك القرش بدروع سوداء من الزوايا المظلمة للحديقة.
انقلبت اللحظة إلى معركة حامية. اندفع نيرون مع أزور عبر الأنفاق السرية التي تربط القصر بالبحر. خلال تلك اللحظات الحاسمة، اكتشف نيرون قدرةً غريبة؛ كانت التيارات المائية تطيع أوامره بشكلٍ غريزي.
أثناء الهروب، تجاذبا أطراف الحديث بينهما. تحدث أزور عن ماضيه كجندي في جيش أبيس، عن خياناتٍ جرحته وألهمته أن يصبح الحارس الذي يقف بين قوى الظلام والنور. كان أزور يحمل في قلبه جراحًا عميقة، تجعله يتردد بين رغبة الانتقام وحب الإنسانية.
قال أزور بنبرةٍ خافتة وهو ينظر إلى نيرون:
أنا لست هنا لأحميك فقط، بل لأعلمك كيف تستخدم قواك. البحر لا يرحم، ولكن يمكنه أن يمنحك القوة إذا تعلمت كيف تتعايش مع الظلام.
كانت كلمات أزور بمثابة درسٍ مهمٍ لنيرون. أدرك أن القوة لا تأتي دون ثمن، وأن كل قرارٍ يتخذه سيكون له أثره على مستقبله. خلال تلك اللحظات، بدأت الروابط بينهما تتشكل، روابط مبنية على الثقة والتحدي المشترك.
• اسأل نفسك: هل لديك القدرة على تحمل جراح الماضي؟
• هل تستطيع أن تواجه ماضيك وتستخلص منه القوة؟
• هل أنت مستعد لأن تحمل على عاتقك مسؤولية مستقبل لم يكتب بعد؟

في تلك اللحظة، توقف الزمن للحظةٍ قصيرة، وكأن العالم كله يراقب لقاء الحارس والفتى. خلال الهروب، كان كل خطوة تخطوها الأقدام على الأرض المبللة بالمياه تشهد على بداية فصلٍ جديدٍ في حياة نيرون. كل جرحٍ في جسده كان يروي قصةً، وكل قطرة من الماء كانت تهمس بأسرارٍ قديمة.
وصل الثنائي إلى نفقٍ ضيق تقود أنواره إلى غرفةٍ سرية داخل القصر البلوري. هناك، جلس أزور مع نيرون على حجرٍ بارد، وبدأ يشرح له المزيد عن النظام السحري القائم على المشاعر. قال:
كلما شعرت بالخوف، تحصل على قوة، وكلما امتلأت مشاعرك بالحب، تضعف حماية الظلام. البحر يتغذى على مشاعرك، لكنه يمنحك أيضًا فرصة لتعيد تشكيل مصيرك.
كانت تلك الكلمات تحمل في طياتها معاني عميقة. بدأ نيرون يتساءل عن الهوية التي يمتلكها وعن الصراع الداخلي الذي يعيشه بين كونه إنسانًا وكائنًا من ممالك البحر. في تلك اللحظة، بدأت الأسئلة تدور في ذهنه مثل دوامة لا تنتهي.
أزور ختم اللقاء بتوجيه رسالة واضحة:
اختر طريقك بعناية. البحر لا يعترف بالتردد، والأقدار لا تنتظر أحدًا.
بكلمات بسيطة، ترك أزور نيرون وهو يشعر بأن الحياة لم تعد كما كانت. أصبحت الرحلة تحمل في طياتها معانيً تتعدى مجرد النجاة؛ إنها رحلة البحث عن الذات وعن القوة التي تكمن في داخل كل منا.
سوق الظلال المائية: حيث تُباع الأسرار بثمن بخس
كانت الخطوة التالية لنيرون وأزور الوصول إلى سوق الظلال المائية، مدينة غارقة تحت سطح البحر. كانت تلك المدينة مركزًا للأسرار، حيث يُباع كل شيء من الذكريات إلى المشاعر. هنا يلتقي القراصنة مع الوسطاء، ويُباع الماضي بثمنٍ بخس مقابل مستقبلٍ مجهول.
في شوارع ضيقة تضيئها أضواء خافتة، تسير الشخصيات التي لم تعرف للنور وجهًا. تتبادل الهمسات بين الزوايا، ويحوم في الأجواء رائحة مزيجٍ من الزيوت البحرية والرطوبة القديمة.
دخل الثنائي إلى حانة تُعرف باسم الشعاب الملعونة . في تلك الحانة، كان الجدار مغطى برسوماتٍ تحكي قصص خيالية، وكان الصوت ينساب ببطء بين الحاضرين. هناك، التقى نيرون بشخصية غامضة تُدعى كاليبسو، تاجرة المعلومات.
كانت كاليبسو ترتدي عباءة سوداء تغطي معظم ملامح وجهها، وعينيها تلمعان كأنهما تخفيان أسرارًا لا تُفصح بسهولة. تحدثت بصوتٍ منخفض:
مفتاح ثالاسيا موجود داخل معبد الشفق. الطريق إليه محفوف بتحديات، وعلى رأسها امتحان الضمير.
شروطها كانت واضحة:
• يجب أن تواجه مخاوفك
• يجب أن تختبر نواياك
• يجب أن تترك وراءك كل شكوكك
كانت تلك الكلمات بمثابة مفتاح لمرحلةٍ جديدة في رحلة نيرون.

أثناء تصفحه لسوق الظلال، شاهد نيرون تناقضات العالم الجديد؛ جمال قاتل يمتزج مع فقر مدقع، وثراء يفوق الخيال بجانب بؤسٍ لا يُحتمل. كان يرى مخلوقات تشبه البشر في مظهرها، لكن قلوبها كانت قاسية كالحديد.
بين الحكايات المتداولة، أدرك نيرون أن عالم الظلال ليس مكانًا للمستضعفين. هنا يجب أن تتخذ قراراتك بسرعة، ويجب أن تُخفي أسرارك كما يخفي الليل نجومه.
خلال هذه الرحلة في السوق، جمع نيرون معلومات جديدة حول الممالك السبعة. اكتشف أن مملكة ثالاسيا، مسقط رأس والدته، تحمل تاريخًا من الانقسامات والصراعات التي أدت إلى نزوح شعبها. كل حجر وكل زقاق في سوق الظلال كان يحمل قصةً، وكل نظرة من أحد التجار كانت تخفي رسالة.
• اسأل نفسك: هل تملك الجرأة للبحث عن الحقيقة خلف واجهة الجمال؟
• هل أنت مستعد لأن تواجه الحقائق التي قد تغير نظرتك للعالم؟
• هل تستطيع أن تدفع الثمن مقابل المعرفة؟
خرج نيرون من الحانة بقلبٍ مثقل بالمعلومات وأفكارٍ جديدة. كان يعلم أن الطريق أمامه طويل، وأن كل خطوة سيقترب بها من مواجهة امتحان الضمير في معبد الشفق. وفي تلك اللحظات، بدأت تتبلور أمامه ملامح مسارٍ يصعب التنبؤ بنهايته.
معبد الشفق: الامتحان الذي يُعيد تشكيل الروح
وقف نيرون أمام مدخل معبد الشفق، مبنى دائري تحيط به تماثيل لآلهة بحرية تبدو غاضبة. كان المعبد يشع هالةً من الغموض، وكأن الزمن توقف عند عتبة هذا المكان. الهواء باردٌ وثقيل، يحمل معه رائحة الطحالب والملح المتراكمة من أعماق البحر.
قبل أن تفتح الأبواب العتيقة، كان على نيرون أن يواجه نفسه. كان يعلم أن البوابة لن تُفتح إلا بعد أن يعترف بأعظم مخاوفه. وقف هناك وحده، يواجه صورةً معكوسة لروحه، ويتحدث بصوتٍ يرتجف من شدة التوتر.
أول مخاوفه كانت خوفه من البحر، ذلك البحر الذي أخذ منه والديه، والذي يحمل بين أمواجه أسرارًا وآلامًا لا تُنسى. ثاني مخاوفه كانت خوفه من قوته الداخلية، القوة التي قد تُدمّر كل ما يحب ويعتز به.
أثناء دخوله للمعبد، بدأت الأبواب تتحرك ببطء لتفتح أمامه. لكن الطريق لم يكن سهلاً؛ داخل المعبد واجه أوهامًا تجسّدت من ذاكرته:
• ظهر أمامه شبح والداه، يتهمانه بالهروب من المصير.
• تجلى له صورةٌ له، وهو ملك بحري متغطرس يذلّ أعداءه.
كل أوهام المعبد كانت تحمل في طياتها ملامح الماضي والأخطاء التي ارتكبها الإنسان في سعيه نحو القوة. شعر نيرون بأن كل خطوة في المعبد كانت اختبارًا لروحه، وأن كل كلمة تهمس بها جدران المكان تحمل حكمًا قديمًا.
وقف نيرون في قلب المعبد، وبدأ ينطق بحقيقته دون تردد. أقر بخوفه من البحر الذي أخذ منه كل شيء، وأقر بأنه يحمل قوةً داخلية قد تكون سلاحًا أو نقمةً. في تلك اللحظة، شعر بأن روحه تتجدد، وأن جسده يستعد لاستقبال القدر الذي كتبه له البحر.
مع كل اعتراف، كان المعبد يضيء بنور خافت. وفي لحظةٍ من اللحظات، انفتح تابوت حجري ضخم على جانب المعبد. بدا وكأن الزمن نفسه توقف ليستمع إلى قرار نيرون. من داخل التابوت، انكشف الخنجر المرجاني، الأداة الأولى من المفاتيح السبعة التي ستفتح بوابات الممالك القديمة.
• اسأل نفسك: هل تملك الشجاعة لمواجهة مخاوفك الداخلية؟
• هل تستطيع أن تترك وراءك الماضي لتستقبل حاضرًا لا يُمكن التنبؤ به؟
• هل تؤمن بأن الحقيقة تكمن في مواجهة ذاتك؟

عندما أمسك نيرون بالخنجر المرجاني، شعر بطاقةٍ تتدفق في عروقه. كان ذلك الشعور بمثابة وعدٍ بمستقبلٍ يحمل في طياته تغييرات جذرية. أدرك أن الطريق الذي اختاره لن يكون سهلاً، وأن كل قرار سيتخذه سيكون له أثره على مصير الممالك السبعة.
خارج المعبد، كان الهدوء قد عاد تدريجيًا، لكن قلب نيرون كان لا يزال ينبض بقوة. كان يعلم أن ما حدث في معبد الشفق ليس سوى بداية لفصلٍ جديد، فصلٍ تتشابك فيه القدرات والسحر والمصير. تلك التجربة أعادت تشكيل روحه، ومنحتها عمقًا جديدًا في فهمه للقوة والحقيقة.
الهروب من أعماق الجحيم: معركة ضد كائنات الهاوية
لم يمض وقت طويل منذ مغادرة معبد الشفق حتى اندلعت المعركة التي ستختبر قدرات نيرون المكتشفة حديثًا. في طريق عودته من المعبد، تبعته مخلوقات من عالم أبيس، تلك الكائنات التي تشبه أسماك القرش بدروع سوداء.
كان النفق الذي يسلكه نيرون وأزور طويلًا ومظلمًا، والجدران تبتل بمياه البحر المخلوطة بالدماء القديمة. بدأت المخلوقات تظهر من زوايا النفق، تتقدم بسرعة وبدقة، وكأنها مدربة على الصيد في الظلام.
اندلعت المعركة وسط صدى ضربات قلوب الثنائي. استخدم نيرون القوقعة الزرقاء التي يحملها، واستطاع استدعاء عواصف مصغّرة من أعماق البحر. كانت العواصف تتلاطم مع المخلوقات، فتتسبب في تشتيتها وانحرافها عن مسارها. لكن كلما استخدم نيرون قوتها، لاحظ ظهور بقع سوداء على جسده، علامة تدل على الثمن الذي يجب دفعه مقابل تلك القوة.

أزور كان يقف إلى جانب نيرون، يدعمه بنصائحه وتوجيهاته. قال له:
كل قوة لها ثمن. عليك أن تحاسب نفسك على كل استخدام، أن توازن بين ما تُعطيه وما تأخذه.
كانت كلمات أزور تتردد في أذن نيرون، بينما كان يقاتل جنبًا إلى جنب مع أزور. المعركة كانت شرسة، وكل ضربة وكل موجة كانت تحمل رسالة عن الثمن الذي يجب دفعه مقابل القوة. في تلك اللحظات، أدرك نيرون أن البطولة لا تكمن في التغلب على الأعداء فحسب، بل في مواجهة جزءٍ من نفسه لا يريد أن يعترف بوجوده.
مع انتهاء المعركة وهزيمة المخلوقات، توقف الزمن للحظة قصيرة. نيرون وقف يراقب جسده الملطخ بعلامات الظلام، وأدرك أن كل استخدام لقوة القوقعة كان يترك أثره على روحه. رغم ذلك، قال له أزور وهو ينظر إليه بعينين حادتين:
أنت لست البطل الذي توقعناه. أنت أفضل. لأنك تخاف، وتستمر.
كانت تلك الكلمات بمثابة شهادة على حقيقة أن البطولة لا تقاس بالقوة البدنية فقط، بل بمدى القدرة على مواجهة مخاوفك واستمرارك رغم الألم والخسارة. في تلك اللحظة، أصبح نيرون يدرك أن كل جرح وكل بقعة سوداء على جسده كانت تروي قصة تحدٍ وصمود.
العودة المؤقتة إلى السطح: عندما يصبح العالم العادي غريبًا
بعد ما شهده من معارك وتحديات في أعماق البحر، اضطر نيرون وأزور للعودة المؤقتة إلى سطح البحر. كانت العودة إلى القرية تبدو كأنها حلم بعيد، إذ أن الزمن والمكان قد تغيرا بشكلٍ لم يكن متوقعًا.
وصل الثنائي إلى شاطئ لم يعد كما كان؛
• الزمن هنا ليس كما تعتقد. ثلاثة أشهر مرت وكأنها ثلاثة أيام فقط.
• سكان القرية تغيروا؛ الكل ينظر إلى نيرون بنظرات ملؤها التردد والخوف.
• وعلى قمة المنارة، كان ظلٌ أسود يراقبهم، ينتظر اللحظة المناسبة.

في تلك الليلة، لم يعد نيرون يشعر بالانتماء إلى المكان الذي نشأ فيه. جلس على صخرة الحورية، يفكر في كل ما مر به من مغامرات ومعارك. كتب رسالة اعتذار لجدته، رسالة لم تفهمها الكلمات تمامًا، ولكنها حملت في طياتها أسف الفراق والوداع. ترك الرسالة تحت الصخرة، وكأنها تركت قطعة من قلبه هناك.
قبل أن يغوص في أعماق البحر مرة أخرى، التفت نيرون إلى أزور الذي كان ينتظره على ظهر حوتٍ مُضيء. قال أزور:
هذه ليست نهاية الطريق، بل بداية فصلٍ جديد. العالم الذي تعرفه تغير، وأنت كذلك.
بدأ الثنائي يشقان طريقهما عبر الأمواج، نحو مستقبل مجهول يحمل في طياته تحديات جديدة ومفاتيح لممالك لم تُكشف بعد. كان البحر يناديهما مرة أخرى، بنغماتٍ هادئة تحمل وعدًا بأن كل خطوة سيقربهما أكثر من الحقيقة التي يبحثان عنها.
• اسأل نفسك: هل تشعر بأن العودة إلى حيث بدأت تعني نهاية أم بداية جديدة؟
• هل تؤمن بأن كل تجربة، مهما كانت قاسية، تحمل درسًا قيّمًا؟
في تلك الليلة الهادئة، اختلطت مشاعر الفراق والانتظار في قلب نيرون. كان يعلم أن طريقه لم ينتهِ بعد، وأن أسرار البحر ستستمر في الظهور في كل موجة وكل همسة. كانت رحلة العودة إلى السطح مجرد فاصل قصير قبل أن يعود إلى عالم الأعماق، عالمٌ لا يعرف الرحمة، لكنه يمنح القوة لأولئك الذين يجرؤون على مواجهة المجهول.







