قصه اوزوريس الاله الذي هزم الموت
العنوان : قصه اوزوريس
اوزوريس: حكاية الإله الذي هزم الموت في معتقدات المصريين القدماء
تحمل الأساطير المصرية القديمة الكثير من القصص التي تكشف عن رؤية المصري القديم للحياة والموت، وتأتي قصة أوزوريس في مقدمة هذه الأساطير، لما لها من تأثير عميق في الفكر الديني والاجتماعي آنذاك. لم يكن أوزوريس مجرد إله يُعبد، بل كان فكرة متكاملة عن العدل، والنظام، والبعث بعد الفناء.
بدايه القصه
تبدأ القصة عندما حكم أوزوريس مصر كملك عادل، فكان رمزًا للنظام والاستقرار. علّم البشر الزراعة، ووضع القوانين، وساعدهم على الخروج من حياة الفوضى إلى حياة منظمة تقوم على العمل والعدل. هذا النجاح الكبير أثار غيرة أخيه ست، الذي كان يمثل قوى الفوضى والعنف، فقرر التخلص منه ليستولي على الحكم.
دبّر ست خطة ماكرة، دعا فيها أوزوريس إلى احتفال، وعرض تابوتًا جميلًا قائلًا إن من يناسبه حجمه سيحصل عليه هدية. وما إن دخل أوزوريس التابوت حتى أغلقه ست وألقى به في نهر النيل. هكذا انتهت حياة الملك العادل، أو هكذا ظن الجميع.

لكن إيزيس، زوجة أوزوريس، رفضت الاستسلام. خرجت في رحلة طويلة تبحث عن جسد زوجها، متحملة المشقة والخطر، حتى نجحت في العثور عليه. غير أن ست عاد مجددًا، وقطّع جسد أوزوريس إلى عدة أجزاء ونثرها في أرجاء البلاد، في محاولة نهائية لمنع عودته إلى الحياة.
لم تفقد إيزيس الأمل، فجمعت الأجزاء بمساعدة أختها نفتيس، واستخدمت قواها السحرية لإعادة أوزوريس إلى الوجود. لم تكن عودته عودة كاملة إلى عالم الأحياء، بل عودة رمزية جعلته ينتقل إلى عالم آخر، ليصبح إله العالم السفلي وحاكم مملكة الموتى.
في هذا العالم، تولّى أوزوريس مهمة عظيمة، وهي محاكمة أرواح الموتى. كان يُعتقد أن الروح تُقاد إلى محكمته، حيث يُوزن قلب الإنسان مقابل ريشة ماعت، رمز الحق والعدل. إن تساوى القلب مع الريشة، نالت الروح الخلود، وإن كان مثقلًا بالذنوب، حُكم عليها بالفناء. هذا التصور يعكس إيمان المصري القديم بأن العدالة لا تنتهي بالموت.
ارتبط أوزوريس أيضًا بالطبيعة والزراعة، إذ رأى المصريون في موته وعودته للحياة انعكاسًا لدورة الفيضان السنوية لنهر النيل. فكما يموت الزرع ثم يعود أخضر من جديد، يموت الإنسان ليبعث في عالم آخر. لذلك أصبح أوزوريس رمزًا للخصوبة والتجدد، واحتل مكانة خاصة لدى الفلاحين.
يُصوَّر أوزوريس غالبًا في هيئة مومياء، يحمل أدوات الحكم، ويرتدي تاجًا مميزًا، في إشارة واضحة إلى استمرارية سلطته حتى بعد الموت. هذا الشكل لم يكن مجرد تصوير فني، بل عكس إيمان المصري القديم بأن الروح تحتاج إلى جسد محفوظ لتستكمل رحلتها في العالم الآخر، وهو ما ساهم في ترسيخ فكرة التحنيط وانتشارها على نطاق واسع.
ولم تتوقف أهمية أوزوريس عند كونه إلهًا للعالم السفلي فقط، بل أصبح رمزًا أخلاقيًا يوجه سلوك الإنسان في حياته اليومية. فقد آمن المصريون أن العدالة التي يمثلها أوزوريس ستلاحقهم بعد الموت، ولذلك سعوا إلى الالتزام بالقيم، وتجنب الظلم، واحترام القوانين، حتى ينالوا رضا الإله ويحصلوا على الحياة الأبدية.
في جوهرها، لم تكن قصة أوزوريس مجرد حكاية أسطورية تُروى، بل كانت فلسفة متكاملة تشرح معنى الموت والبعث، وتمنح الإنسان الأمل في الخلود. ولهذا السبب ظل اسم أوزوريس حاضرًا في المعابد والنقوش والنصوص الجنائزية، كشاهد على عمق الفكر المصري القديم وقدرته على تحويل المأساة إلى معنى، والفناء إلى بداية جديدة.