بردية الحكيم آني.

بردية الحكيم آني.

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

بردية آني: سفر الخلود وأعظم كنوز الأدب الجنائزي

تعتبر بردية آني النسخة الأبهى والأكثر كمالاً من نصوص "الخروج إلى النهار" (المعروفة عالمياً بكتاب الموتى). هي ليست مجرد وثيقة أثرية، بل هي "جواز سفر" عقائدي، صُمم بأقصى درجات الدقة الفنية ليضمن لصاحبه عبور بوابات الموت المظلمة نحو ضياء الأبدية.

١. من هو "آني" صاحب البردية؟

لم يكن "آني" ملكاً، بل كان رجلاً من طبقة النخبة الإدارية في طيبة خلال الأسرة التاسعة عشرة (حوالي 1250 ق.م). حمل ألقاباً هامة مثل:

الكاتب الملكي الحقيقي: مما يعني أنه كان مسؤولاً عن سجلات هامة.

محاسب قرابين جميع الآلهة: وهو منصب مالي وديني رفيع.

المشرف على مخازن الغلال في أبيدوس.

تظهر معه في البردية زوجته "توتو"، التي كانت منشدة في معبد الإله آمون، مما يعكس المكانة الاجتماعية والدينية المرموقة لهذه الأسرة.

٢. الوصف المادي: إعجاز الصناعة اليدوية

يبلغ طول البردية حوالي 23.6 متر، وهي مجمعة من لفائف بردي ممتازة الجودة. ما يميزها عن غيرها هو:

التلوين: لم يكتفِ الفنان باللونين الأسود والأحمر التقليديين، بل استخدم لوحة ألوان غنية (الأزرق السماوي، الأخضر الفيروزي، الأصفر الذهبي، والأبيض الناصع).

الخط الهيروغليفية: كُتبت بالخط المخطوط (Cursive Hieroglyphs)، وهو خط يتسم بالدقة والجمال، مرتب في أعمدة رأسية تفصل بينها خطوط ملونة.

التنسيق: هناك توازن مذهل بين النص المكتوب والرسوم التوضيحية (Vignettes)، حيث تشرح الصور ما تقوله التعاويذ بدقة متناهية.

image about بردية الحكيم آني.

٣. الرحلة عبر "الدوات": محطات بردية آني

تأخذنا البردية في رحلة سينمائية تبدأ من لحظة الوفاة:

أ. التحنيط والحفاظ على “الكا”

تبدأ النصوص بتعاويذ تضمن سلامة الجسد، فبدون جسد سليم (المومياء)، لن تجد الروح (البا) مكاناً لتعود إليه، ولن تستطيع الـ "كا" (القرين) الحصول على الطعام.

ب. عبور البوابات والحراس

يصور الكتاب "آني" وهو يقف أمام بوابات العالم السفلي السبع. كل بوابة يحرسها كائن مرعب يحمل سكيناً. لكي يمر "آني"، يجب أن يذكر اسم البوابة، واسم الحارس، واسم المنادي بداخلها. هذه "المعرفة" هي التي تمنحه القوة.

ج. المشهد المركزي: وزن القلب (التعويذة 125)

هذا هو المشهد الأشهر في تاريخ الفن المصري. نرى "آني" وزوجته يدخلان قاعة "ماعت" وهما في حالة خشوع.

الميزان: يوضع قلب "آني" مقابل ريشة الحقيقة.

الشهود: يجلس 42 إلهاً يمثلون أقاليم مصر، ويجب على آني أن يبرئ نفسه أمام كل واحد منهم (الاعتراف الإنكاري).

القرار: يقف "تحوت" (إله الحكمة) ليسجل النتيجة. إذا نجح، يصرخ قائلاً: "لقد وُجد قلبه صادقاً، ولم يرتكب إثماً".

٤. لغز السرقة والتقطيع: كيف وصلت إلى لندن؟

قصة خروج هذه البردية من مصر تشبه أفلام الإثارة. في عام 1888، قام "واليس بدج" (أمين المتحف البريطاني) بتهريبها من تحت أعين مصلحة الآثار المصرية آنذاك.

الخدعة: قام "بدج" بحفر نفق تحت البيت الذي كان يُخبئ فيه الآثار ليهربها بعيداً عن حراس الشرطة.

الجريمة الفنية: لكي يتمكن من شحنها، قام "بدج" بتقطيع البردية إلى 37 قطعة متساوية. هذا الفعل أدى إلى إتلاف بعض الكلمات والرسوم عند الفواصل، وهو ما جعل خبراء الترميم لاحقاً يبذلون جهداً خارقاً لإعادة تخيل شكلها الأصلي.

٥. القيمة العلمية للبردية اليوم

تعتبر بردية آني المرجع الأول لدارسي اللغة المصرية القديمة والديانات المقارنة. فهي تقدم:

فهم للأخلاق: نكتشف أن المصري القديم كان لديه منظومة أخلاقية صارمة (الاعترافات).

التطور اللغوي: تظهر البردية كيف تطورت النصوص الدينية من عصر الأهرامات إلى عصر الإمبراطورية.

الفن الجنائزي: تُعد الرسوم في البردية قمة ما وصل إليه فن الرسم والتلوين في الدولة الحديثة.

٦.الاعترافات الإنكارية.

تُعد الاعترافات الإنكارية الـ 42 (التي تُعرف أيضاً بـ "إعلان البراءة") الجزء الأكثر أهمية وإثارة للإعجاب في بردية آني وفي فلسفة الأخلاق المصرية القديمة بشكل عام. هي بمثابة "ميثاق أخلاقي" يكشف لنا كيف كان يفكر المصري القديم في مفهوم الخير والشر قبل آلاف السنين.

فلسفة المحاكمة في بردية آني

في القاعة الكبرى للحقيقتين (ماعت)، يقف "آني" أمام 42 قاضياً إلهياً، كل قاضٍ منهم يمثل إقليماً من أقاليم مصر أو قوة كونية معينة. لا يُطلب من المتوفى أن "يعترف بذنوبه" كما في بعض الأديان، بل يُطلب منه أن يُنكر ارتكابها. هذا يعني أن المتوفى يجب أن يكون قد عاش حياة نقية لدرجة أنه يستطيع مواجهة القضاة بكل ثقة.

أهم الاعترافات الإنكارية في البردية

إليك مقتطفات من الـ 42 اعترافاً التي تلاها "آني"، مقسمة حسب نوع الفعل:

1. الجرائم الجنائية والأذى المباشر:

“لم أقتل أحداً، ولم آمر بالقتل.”

“لم أسرق، ولم أرتكب السلب.”

“لم أعتدِ على ممتلكات غيري.”

2. الأخلاق الاجتماعية والتعامل مع الناس:

“لم أسبب دمعة لعين إنسان.”

“لم أظلم يتيماً، ولم أستغل أرملة.”

“لم أكن سبباً في تجويع أحد.”

“لم أنطق بكلمات شريرة ضد أحد.”

3. النزاهة الاقتصادية والبيئية:

“لم أغش في الموازين أو المكاييل.”

"لم أقم بتلويث ماء النيل." (وهي خطيئة كبرى نظراً لقدسية النهر).

“لم أمنع الماء عن جارٍ في وقت حاجته.”

4. الجانب الروحي والديني:

“لم أجدف على الآلهة.”

“لم أسرق القرابين المخصصة للمعابد.”

الدلالة الرمزية للقضاة الـ 42

لماذا 42 قاضياً تحديداً؟

تمثيل جغرافي: كان عدد أقاليم مصر القديمة 42 إقليماً (22 في الصعيد و20 في الدلتا)، مما يعني أن المتوفى يُحاكم أمام "مصر كاملة".

شمولية الخطايا: كل قاضٍ كان مسؤولاً عن مراقبة خطيئة معينة. بمجرد أن ينتهي "آني" من مخاطبة القاضي باسمه السري وينكر الخطيئة، ينتقل إلى التالي.

مشهد وزن القلب: الحقيقة النهائية

بعد انتهاء الاعترافات، نصل إلى اللحظة الحاسمة المصورة في بردية آني بدقة مذهلة. يوضع قلب آني في كفة، وريشة "ماعت" في الكفة الأخرى.

ملاحظة : في البردية، نجد أن "آني" يقرأ تعويذة خاصة (التعويذة رقم 30 ب) يرجو فيها قلبه ألا يشهد ضده! يقول فيها: “يا قلبي الذي ورثته عن أمي.. لا تقف شاهداً ضدي، ولا تعارضني أمام القضاة.”

لماذا تعتبر هذه البردية "ثورة أخلاقية"؟

بردية آني تثبت أن المصري القديم آمن بأن الخلود ليس للجميع، بل هو لمن يستحقه بأفعاله. لم يكن المال أو الجاه كافياً؛ فالحساب كان دقيقاً يعتمد على "خفة القلب" من الذنوب.

خاتمة

إن بردية آني ليست مجرد لفافة ورق قديمة، بل هي تجسيد لأسمى طموحات الإنسان: الرغبة في هزيمة الموت والعيش في عالم تسوده العدالة المطلقة. عندما نقرأ تعاويذها، فنحن لا نقرأ طقوساً سحرية فحسب، بل نقرأ صرخات إنسان عاش قبل 3300 عام، كان يخاف الفناء ويطمح إلى النور.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
خلود السيد اسماعيل تقييم 4.97 من 5.
المقالات

102

متابعهم

41

متابعهم

28

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.