المرأة التي أصبحت فرعونًا
المرأة التي أصبحت فرعونًا
مولد أميرة مختلفة
وُلدت حتشبسوت في القرن الخامس عشر قبل الميلاد، وهي ابنة الفرعون تحتمس الأول والملكة أحمس. نشأت داخل القصر الملكي في طيبة، وسط جو من السياسة والدين والحكم، وتلقت تعليمًا مميزًا لم تحصل عليه معظم نساء عصرها. منذ صغرها، أظهرت ذكاءً قويًا وشخصية قيادية، وكانت قريبة جدًا من والدها الفرعون، الذي وثق

بها وأشركها في شؤون الحكم والإدارة. هذه النشأة القوية مهّدت الطريق أمامها لتلعب دورًا غير مسبوق في تاريخ مصر القديمة.
من ملكة إلى وصية على العرش
بعد وفاة والدها، تزوجت حتشبسوت من أخيها غير الشقيق تحتمس الثاني، كما كان شائعًا في العائلة الملكية للحفاظ على الدم الملكي. وبعد وفاته، أصبح وريث العرش تحتمس الثالث طفلًا صغيرًا، فتولت حتشبسوت الوصاية على الحكم. في البداية، حكمت باسم الملك الطفل، لكنها مع مرور الوقت بدأت تسيطر على مقاليد السلطة بشكل كامل، وأثبتت قدرتها على إدارة الدولة بكفاءة وحزم.
إعلان نفسها فرعونًا
في خطوة جريئة لم يسبقها إليها سوى قلة، أعلنت حتشبسوت نفسها فرعونًا لمصر، وليس مجرد ملكة أو وصية. ارتدت الزي الملكي الخاص بالفراعنة، وظهرت في النقوش بلحية فرعونية رمزية، لتؤكد شرعيتها أمام الشعب والكهنة. دعمت قرارها بأساطير دينية تقول إن الإله آمون هو من اختارها للحكم. رغم غرابة الأمر في نظر البعض، قبل المصريون حكمها بسبب نجاحها واستقرار البلاد في عهدها.
عصر السلام والازدهار
خلال فترة حكمها، لم تركز حتشبسوت على الحروب، بل على السلام والتجارة والبناء. شهدت مصر في عهدها ازدهارًا اقتصاديًا كبيرًا، وانتعشت الزراعة والتجارة الداخلية. اهتمت بإدارة شؤون الدولة بحكمة، وعملت على تقوية العلاقات مع الدول المجاورة بدلًا من الصدام العسكري، مما جعل عصرها واحدًا من أكثر الفترات استقرارًا في تاريخ مصر القديمة.
رحلة بلاد بونت الشهيرة
من أشهر إنجازات حتشبسوت إرسال بعثة تجارية عظيمة إلى بلاد بونت، وهي منطقة غنية بالموارد تقع على الأرجح في القرن الإفريقي. عادت البعثة محمّلة بالذهب والبخور والأخشاب النادرة والحيوانات الغريبة. هذه الرحلة سُجلت بالتفصيل على جدران معبدها، وأظهرت مدى قوة مصر التجارية وقدرتها على التواصل مع العالم الخارجي دون حروب.
معابدها وإنجازاتها المعمارية
أعظم آثار حتشبسوت هو معبدها الجنائزي في الدير البحري، والذي يُعد تحفة معمارية فريدة حتى اليوم. صُمم المعبد بطريقة هندسية مبهرة، تتناغم مع الجبال المحيطة به، ويُظهر مشاهد من حياتها وإنجازاتها. كما شيدت العديد من المعابد والمسلات الضخمة، خاصة في معبد الكرنك، لتخلّد اسمها وتثبت قوتها كفرعون شرعي.
العلاقة المعقدة مع تحتمس الثالث
رغم أنها حكمت مع تحتمس الثالث اسميًا، إلا أنها كانت صاحبة القرار الحقيقي لفترة طويلة. بعد وفاتها، تولى تحتمس الثالث الحكم منفردًا، ويُعتقد أنه أمر بمحو اسمها وصورها من بعض المعابد. يرى المؤرخون أن ذلك كان بدافع سياسي، لإعادة الصورة التقليدية للحكم الذكوري، وليس كراهية شخصية لها.
وفاتها وإرثها الخالد
توفيت حتشبسوت بعد حكم دام أكثر من عشرين عامًا، وتركت مصر قوية ومستقرة وغنية. رغم محاولات محو اسمها، أعاد علماء الآثار اكتشاف قصتها، وأصبحت اليوم رمزًا للقوة والذكاء والشجاعة. تُعد حتشبسوت واحدة من أعظم حكّام مصر القديمة، لأنها كسرت القواعد، وأثبتت أن القيادة لا ترتبط بالجنس، بل بالحكمة والقدرة على الحكم.