أكل المومياوات في أوروبا: عندما تحولت الآثار المصرية إلى دواء
تُعدّ ظاهرة أكل المومياوات من أكثر الظواهر التاريخية غرابة في أوروبا خلال العصور الوسطى وبداية العصر الحديث. فقد اعتقد كثير من الأوروبيين لقرون طويلة أن مسحوق المومياوات المصرية يمتلك خصائص علاجية قوية، فاستُخدم كدواء في الصيدليات والطب الشعبي، في ممارسة تكشف جانبًا صادمًا من تاريخ الطب الأوروبي.

أصل الفكرة: المومياوات كعلاج
بدأت هذه الفكرة في أوروبا حوالي القرن الثاني عشر الميلادي، عندما وصل إلى القارة نوع من الدواء يسمى “موميا”. وكان الأطباء الأوروبيون يعتقدون أن هذه المادة تُستخرج من أجساد المومياوات المصرية المحنطة، وأنها تحتوي على قوى علاجية استثنائية.
وقد تأثرت هذه الفكرة بتفسيرات خاطئة لبعض النصوص الطبية العربية، إضافة إلى انتشار الاعتقاد بأن المواد المحفوظة داخل المومياوات — مثل الزيوت والراتنجات — تمتلك خصائص طبية مفيدة.
لذلك بدأ التجار بجلب المومياوات من مصر إلى أوروبا، حيث كانت تُطحن وتباع في الصيدليات كدواء.
كيف كان الأوروبيون يستخدمونها؟
في القرون ما بين القرن الخامس عشر والسابع عشر أصبح مسحوق المومياوات علاجًا شائعًا في أوروبا. وكان الأطباء يصفونه لعلاج مجموعة كبيرة من الأمراض، مثل:
الصداع الشديد
النزيف الداخلي
الجروح والكسور
أمراض المعدة
بعض حالات الصرع
وكان مسحوق المومياوات يُخلط أحيانًا مع النبيذ أو العسل، أو يُضاف إلى مراهم طبية تُوضع على الجروح.
وقد كتب بعض الأطباء الأوروبيين في تلك الفترة وصفات طبية تعتمد على هذا المسحوق باعتباره علاجًا فعالًا.
تجارة ضخمة في المومياوات
مع زيادة الطلب على هذا “الدواء”، نشأت تجارة واسعة لنقل المومياوات من مصر إلى أوروبا.
وكان بعض التجار يقومون بما يلي:
استخراج المومياوات من المقابر المصرية القديمة
تقطيعها أو طحنها وتحويلها إلى مسحوق
بيعها في الصيدليات الأوروبية بأسعار مرتفعة
وفي بعض الحالات، لم تكن المومياوات أصلية، بل كان التجار يقومون بتجفيف جثث حديثة وبيعها على أنها مومياوات قديمة.
وقد أدى هذا الطلب الكبير إلى نهب عدد كبير من المقابر المصرية القديمة خلال تلك الفترة.
موقف الملوك والنبلاء
لم تقتصر هذه الممارسة على العامة فقط، بل وصلت إلى الطبقات العليا في المجتمع الأوروبي.
فقد ورد في بعض المصادر أن الملك الإنجليزي تشارلز الثاني كان مهتمًا باستخدام مسحوق المومياوات في بعض العلاجات.
كما استخدم بعض النبلاء هذا المسحوق معتقدين أنه يمنح القوة أو يعالج الأمراض المزمنة.
بداية التشكيك في هذه الممارسة
مع تقدم العلم في القرنين السابع عشر والثامن عشر، بدأ الأطباء يشككون في الفائدة الطبية لمسحوق المومياوات.
وأظهرت الدراسات الطبية أن هذه المادة لا تمتلك أي خصائص علاجية حقيقية، وأن استخدامها يعتمد فقط على معتقدات خاطئة وتفسيرات علمية غير دقيقة.
كما بدأ علماء الآثار في أوروبا يدركون القيمة التاريخية الكبيرة للمومياوات المصرية، مما ساهم في تغيير النظرة إليها من مجرد مادة دوائية إلى كنز أثري يجب حمايته.
نهاية الظاهرة
بحلول القرن التاسع عشر، بدأت هذه الممارسة تختفي تدريجيًا، خاصة مع تطور الطب الحديث وظهور طرق علاج علمية أكثر دقة.
كما ساهمت القوانين الأثرية الجديدة في الحد من نهب المقابر المصرية ونقل المومياوات إلى الخارج.
وبذلك انتهت واحدة من أغرب الظواهر في تاريخ الطب الأوروبي.
قراءة تاريخية للظاهرة
ينظر المؤرخون اليوم إلى ظاهرة أكل المومياوات باعتبارها مثالًا على:
سوء فهم العلوم الطبية القديمة
تأثير الخرافات في الممارسات العلاجية
استغلال الآثار التاريخية لأغراض تجارية
كما تكشف هذه الظاهرة عن العلاقة المعقدة بين أوروبا وآثار الحضارة المصرية، حيث تحولت المومياوات في مرحلة ما من التاريخ من رموز حضارية إلى سلعة طبية.
أثرها في دراسة التاريخ
تُظهر هذه القصة كيف يمكن أن تتغير نظرة البشر إلى الأشياء عبر الزمن. فما كان يُعتبر دواءً ثمينًا في أوروبا قبل قرون، أصبح اليوم جزءًا من تاريخ غريب يثير الدهشة.
وفي الوقت نفسه، ساعدت هذه الأحداث لاحقًا على زيادة الاهتمام بحماية التراث المصري القديم ودراسة الحضارة الفرعونية بطريقة علمية تحترم قيمتها التاريخية.