حين جمعنا القدر

حين جمعنا القدر
في صباح شتوي هادئ، كانت شوارع القاهرة مزدحمة كعادتها، بينما كان “يوسف” يسير بسرعة نحو جامعته بعد أن تأخر على أول محاضرة. كان شابًا مجتهدًا، يحلم بأن يصبح مهندسًا ناجحًا، لكنه لم يكن يؤمن كثيرًا بالحب، وكان يرى أن العلاقات مجرد مضيعة للوقت.
وأثناء دخوله إلى الحرم الجامعي، اصطدم بفتاة كانت تحمل مجموعة من الكتب، فسقطت الأوراق على الأرض بسرعة. انحنى ليساعدها، وحين رفع نظره إليها لأول مرة، شعر بشيء غريب لم يشعر به من قبل.
كانت الفتاة تُدعى “ليان”، تدرس في كلية الإعلام، وتتميز بشخصية هادئة وابتسامة تجعل من يراها يشعر بالراحة فورًا. اعتذر يوسف مرتبكًا، بينما ابتسمت ليان وقالت مازحة:
“واضح إن يومك بدأ بجريمة ضد الكتب.”
ضحك يوسف لأول مرة منذ أيام طويلة، ومن هنا بدأت الحكاية.
مرت الأيام، وأصبحا يلتقيان كثيرًا داخل الجامعة، سواء في المكتبة أو الكافيه الصغير القريب من الكلية. كان يوسف يكتشف يومًا بعد يوم أن ليان تختلف عن أي فتاة عرفها من قبل. كانت تستمع له باهتمام، وتشجعه دائمًا، وتفهم صمته قبل كلامه.
أما ليان، فكانت ترى في يوسف شخصًا طيبًا يخفي خلف شخصيته الجادة قلبًا مليئًا بالمشاعر.
وفي إحدى الأمسيات، جلسا معًا على ضفة النيل بعد يوم طويل من الدراسة. كانت الأضواء تنعكس على المياه بشكل ساحر، بينما ساد الصمت للحظات.
قال يوسف فجأة:
“عمرك حسيتي إن في حد دخل حياتك وغير كل حاجة فيها؟”
نظرت ليان إليه بابتسامة خفيفة وقالت:
“يمكن… بس الأهم يكون التغيير للأحسن.”
في تلك اللحظة، أدرك يوسف أنه وقع في حبها.
لكن الحياة لم تسر بسهولة كما توقعا. بعد عدة أشهر، بدأت المشاكل تظهر بينهما بسبب انشغال يوسف المستمر بدراسته ومشاريعه. أصبحت ليان تشعر أنه يبتعد عنها تدريجيًا، بينما كان هو يظن أنه يفعل كل ذلك من أجل مستقبلهما.
وفي يوم ما، انتشرت شائعة داخل الجامعة بأن يوسف معجب بفتاة أخرى من دفعته. حاولت ليان تجاهل الكلام، لكنها بدأت تشعر بالغيرة والقلق، خاصة بعدما لاحظت تقصيره في الحديث معها.
واجهته ذات مساء قائلة:
“لو حاسس إن وجودي بقى عبء عليك… قولي.”
تفاجأ يوسف بكلامها، وحاول شرح الحقيقة، لكن التوتر والغضب جعلا الحديث يتحول إلى خلاف كبير انتهى برحيل ليان وهي تبكي.
مرت أسابيع طويلة دون أن يتحدثا. شعر يوسف خلالها أن حياته أصبحت فارغة، وأن كل شيء فقد معناه بدونها. حاول التركيز في دراسته، لكنه كان يتذكر ضحكتها في كل مكان.
وفي يوم تخرج الجامعة، كان الجميع يحتفل ويلتقط الصور، بينما وقف يوسف يبحث بعينيه عنها وسط الزحام. وبعد دقائق، رآها تقف بعيدًا بفستان أبيض بسيط، تنظر إليه بصمت.
اقترب منها ببطء وقال:
“أنا نجحت النهارده… بس من غيرك حاسس إني ما حققتش حاجة.”
ابتسمت ليان والدموع تلمع في عينيها، فأخرج يوسف من جيبه رسالة قديمة كانت قد كتبتها له في بداية علاقتهما، وقال:
“كل مرة كنت بقرأ الرسالة دي كنت أتأكد إنك أهم شخص في حياتي.”
لم تستطع ليان إخفاء ابتسامتها، وبعد لحظات من الصمت قالت:
“واضح إن القدر كان رافض يخلينا نبعد.”
ضحك يوسف أخيرًا، ثم أمسك بيدها وسط أضواء الاحتفال، بينما بدأت قصة جديدة بينهما، قصة لم تكن مبنية فقط على الحب… بل على التفاهم والتمسك ببعضهما مهما حدث.