عَشَقْتُ عَيْنَاكْ رَغَْمَ انّي اقل الناظرين اليها
احببتك حب الطرفين

كان الحبُّ من طرفٍ واحدٍ يشبه الوقوفَ طويلًا تحت المطر دون مظلّة، تنتظر دفئًا لا يأتي، وتحدّق في نافذةٍ مغلقة لعلّ أحدهم يشعر بارتجاف قلبك. أحببتك حبَّ الطرفين، وكأنّ قلبي كان يقوم بدور قلبين معًا؛ ينبض لك، ويشتاق إليك، ويبرّر غيابك، ثم يعود ليواسي نفسه بنفسه. كنتُ أكتب لك الرسائل ولا أرسلها، وأحفظ تفاصيلك الصغيرة كما يحفظ العاشق أسماء النجوم، بينما كنتَ تمرّ بقربي عابرًا كنسمةٍ لا تدرك أنّها أحيَت روحًا بأكملها.
الحبُّ من طرفٍ واحد ليس مجرّد شعور، بل معركة صامتة يخوضها الإنسان كل يوم. تبتسم أمام الجميع بينما داخلك ينهار، وتبحث عن أي إشارة صغيرة تمنحك أملًا مؤقتًا. كلمة عابرة منك كانت تكفيني لأبقى سعيدًا أيامًا، وغيابك كان قادرًا على تحويل العالم إلى مكانٍ باهتٍ بلا ألوان.
كنتُ أراك في كل شيء؛ في الأغاني القديمة، في رائحة القهوة، في الطرقات التي سرنا بها مرةً صدفة. حتى الليل كان يحمل ملامحك، فأجلس أحدّث القمر عنك كأنّه يعرفك جيدًا. وكم من مرةٍ أقنعت نفسي أنّك ستشعر بي يومًا، أنّ قلبك سيستيقظ فجأة ويدرك أنّ هناك روحًا أحبّتك بصدقٍ نادر، لكنّ بعض الأمنيات خُلقت لتظلّ معلّقة بين الحلم والخذلان.
وقد قال قلبي ذات مساء:
أحببتُكِ حتى ضاعَ صوتي بينَ أنفاسي
وحتى صارَ حزنُ الليلِ جلّاسي
أراكِ في كلِّ دربٍ رغمَ غيبتِكِ
كأنّ طيفَكِ المنسيُّ حُرّاسي
فإن مررتِ بقلبٍ كانَ يعشقُكِ
فاذكري أنّني أفنيتُ إحساسي
الحبُّ الحقيقي لا يُقاس بالنهايات، بل بصدق الشعور. وربما كانت قسوة الحب من طرفٍ واحد أنّه يجعل الإنسان يمنح كل شيء دون أن يأخذ شيئًا بالمقابل، ومع ذلك لا يندم. لأنّ القلب حين يحب بصدق لا يعرف الحسابات، بل يعرف العطاء فقط.
كنتُ أخاف الاعتراف، ليس خوفًا من الرفض وحده، بل خوفًا من أن أخسر تلك المسافة الجميلة التي تسمح لي برؤيتك. فبعض العشّاق يكتفون بالمراقبة الصامتة، يفضّلون الاحتراق بهدوء على أن يسمعوا كلمةً تطفئ آخر ما تبقّى من أحلامهم.
وفي لحظات ضعفي كنتُ أقول:
سألتُ الليلَ: هل نسيَتْ فؤادي؟للقلبِ أن ينسى بمن شغلهُ؟
أحببتُها عبثًا، لكنّني أبدًا
ما ندمتُ يومًا على حبٍّ تمنّيتهُ
فإن خسرتُ هواها في نهايةِ العمرِ
يكفينيَ أنّ الفؤادَ قد ارتضاهُ لهُ
ومع مرور الوقت بدأت أفهم شيئًا مهمًا؛ أن الحب الحقيقي لا يعني دائمًا الوصول. أحيانًا يكون الحب درسًا قاسيًا يعلمنا كيف نعرف قيمة أنفسنا، وكيف نحافظ على قلوبنا من الاستنزاف. أدركت أنني كنت أضعك في مكانة أعلى من حقيقتك، وأنني كنت أبحث عن السعادة في شخص بينما كان يجب أن أبحث عنها في نفسي أولًا.
لكن رغم كل الألم، لا أنكر أن حبك غيّرني. جعلني أكثر إحساسًا، أكثر قدرة على فهم الحزن والاشتياق، وأكثر إدراكًا لمعنى الوفاء. وربما لهذا السبب لا أعتبر تلك القصة فشلًا كاملًا، لأنها رغم قسوتها جعلتني إنسانًا يعرف كيف يحب بصدق.
وفي النهاية تعلّمت أن القلب الذي يحب وحده لا يجب أن يبقى أسير الانتظار إلى الأبد. فالحياة لا تتوقف عند شخص واحد، والروح التي تعطي الحب بصدق تستحق أن تجد يومًا قلبًا يبادلها الشعور نفسه، لا قلبًا يكتفي بالمشاهدة من بعيد.
أحببتك حبَّ الطرفين، وكنتُ أظن أن الحب يكفي ليجمع روحين، لكنني أدركت أخيرًا أن الحب الحقيقي يحتاج قلبين معًا، لا قلبًا واحدًا يتعب نيابةً عن الاثنين.