"DNA يطرح شكوك حول السبب الحقيقي لوفاة جنود نابليون في روسيا
DNA يكشف الحقيقة بعد أكثر من 200 عام: ليس التيفوس.. هذه الأمراض التي دمرت جيش نابليون في روسيا

في واحدة من أشهر الحملات العسكرية في التاريخ، غزا الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت روسيا عام 1812 على رأس جيش "الجيش الكبير" (La Grande Armée) الذي بلغ تعداده حوالي 600 ألف جندي من جنسيات متعددة. كان الهدف السيطرة على موسكو، لكن الحملة تحولت إلى واحدة من أكبر الكوارث العسكرية في التاريخ. عند التراجع من موسكو في الشتاء القارس، فقد الجيش أكثر من نصفه تقريباً – عشرات الآلاف ماتوا بسبب البرد الشديد، الجوع، الإرهاق، والأمراض.
لعقود طويلة، اعتقد المؤرخون والأطباء أن التيفوس (Typhus) كان السبب الرئيسي وراء هذه المذبحة البيولوجية. لكن دراسة حديثة اعتمدت على تحليل الحمض النووي القديم (aDNA) من أسنان جنود نابليون ألقت شكوكاً كبيرة على هذه النظرية، وكشفت عن مسببات مرضية أخرى غير متوقعة.
خلفية الحملة الكارثية
بدأت الحملة في يونيو 1812. تقدم الجيش الفرنسي بسرعة نحو موسكو، لكنه واجه مقاومة روسية شرسة وتكتيك "الأرض المحروقة" الذي اتبعه الروس، حيث كانوا يحرقون المحاصيل والقرى ليحرموا الفرنسيين من المؤن. عندما وصل نابليون إلى موسكو في سبتمبر، كانت المدينة مهجورة ومحترقة جزئياً.
اضطر الجيش للتراجع في أكتوبر وسط برد قارس وصل إلى 30-40 درجة تحت الصفر. الجنود كانوا يموتون بالجملة: بعضهم تجمد، وآخرون ماتوا جوعاً، وكثيرون سقطوا ضحية أمراض معدية انتشرت بسرعة في صفوف الجيش المنهك بسبب الازدحام والقذارة وعدم وجود نظافة.
النظرية التقليدية: التيفوس هو القاتل
كان الأطباء المرافقون للجيش يصفون أعراضاً مثل الحمى الشديدة، الصداع، الطفح الجلدي، والوهن. هذه الأعراض تطابق التيفوس الذي يسببه بكتيريا Rickettsia prowazekii، وينتقل عن طريق قمل الجسم. في دراسة سابقة عام 2006، تم اكتشاف آثار لهذه البكتيريا في بقايا جنود، مما عزز هذه النظرية.
لكن التكنولوجيا الحديثة غيرت الصورة.
الدراسة الجديدة: DNA من أسنان 13 جندياً
في عام 2001، اكتشف علماء آثار في فيلنيوس (عاصمة ليتوانيا حالياً) مقبرة جماعية تحتوي على أكثر من 3000 جثة، يُعتقد أن معظمهم من جنود نابليون. ارتدى الكثيرون زيهم العسكري، وبجانبهم خيول، ولم يكن معهم أسلحة، مما يشير إلى أنهم ماتوا من الأمراض وليس في معارك.
استخرج الباحثون، بقيادة ميكروبيولوجيين من جامعة باريس سيتي ومعهد باستور، الحمض النووي القديم لار بع أسنان من اسنان 13 جندياً. استخدموا تقنيات تسلسل الجينوم عالية الإنتاجية (next-generation sequencing) القادرة على قراءة DNA المتحلل جداً.
النتائج المفاجئة:
- لم يجدوا أي أثر لبكتيريا Rickettsia prowazekii المسببة للتيفوس.
- وجدوا بدلاً من ذلك:
- بكتيريا Salmonella enterica (سلالة Para C)، المسببة لـحمى التيفوئيد الجزئي (Paratyphoid fever).
- بكتيريا Borrelia recurrentis، المسببة لـحمى الانتكاس (Relapsing fever) المنقولة عن طريق قمل الجسم.
ما هي هذه الأمراض وكيف أثرت؟
حمى التيفوئيد الجزئي (Paratyphoid): تشبه التيفوئيد الكلاسيكي، تسبب حمى مرتفعة، إسهال، آلام بطن، وإرهاق شديد. تنتقل عن طريق المياه والطعام الملوث. في ظروف الجيش المنسحب، كانت الظروف مثالية لانتشارها.
حمى الانتكاس: تسبب نوبات حمى متكررة (تنتكس)، صداع، آلام عضلية، ويمكن أن تؤدي إلى مضاعفات خطيرة. تنتشر بسرعة في أوساط غير نظيفة مليئة بالقمل، وهو ما كان شائعاً جداً في الجيش.
يقول الباحثون إن هذه الأمراض، حتى لو لم تكن قاتلة دائماً بمفردها، إلا أنها أضعفت الجنود المنهكين بالفعل من البرد والجوع، مما جعلهم فريسة سهلة للموت.
هل يعني هذا أن التيفوس لم يكن موجوداً؟
ليس بالضرورة. العينة صغيرة (13 جندياً فقط)، والمقبرة تحتوي على آلاف الجثث. من الممكن أن يكون التيفوس قد أصاب آخرين. الباحثون أنفسهم يؤكدون أن فهم الطيف الكامل للأمراض يحتاج إلى تحليل عينات أكثر.
أهمية الدراسة
هذه الدراسة (نُشرت أولاً كـ preprint على bioRxiv ثم في مجلة Current Biology) تمثل تقدماً كبيراً في علم الآثار الجزيئي (Paleomicrobiology). تُظهر كيف يمكن للحمض النووي القديم أن يُعيد كتابة صفحات التاريخ ويصحح الافتراضات القديمة.
كما تُبرز دور الأمراض والصحة العامة في نتائج الحروب – درس تكرر عبر التاريخ (مثل في الحرب العالمية الأولى مع الإنفلونزا الإسبانية).
خاتمة
كارثة 1812 لم تكن مجرد هزيمة عسكرية أو شتوية، بل هزيمة بيولوجية أيضاً. البرد والجوع فتحا الباب أمام بكتيريا Salmonella وBorrelia. هذا يذكرنا أن حتى أعظم الجيوش عرضة لقوى الطبيعة والميكروبات.
المصدر
https://www.sciencealert.com/dna-casts-doubt-over-theory-on-what-killed-napoleons-forces