اخر رساله من بغداد
آخر رسالة من بغداد
في ليلة شتوية قارصة من سنة 1258م، وقف "حسن الوراق" في الزقاق الضيق اللي بيوصل للمكتبة المستنصرية ببغداد. التلج كان بينزل خفيف، بس صوت مناجيق هولاكو وهو بيضرب أسوار المدينة كان أبرد من التلج. المغول دخلوا بغداد خلاص، والخليفة المستعصم اتحبس في قصره.
حسن عنده 40 سنة، ضهره اتحنى من قعدة النسخ. من وهو عيل صغير وأبوه بيقعده جنبه ويعلمه: "يا حسن، الورق ده مش ورق. ده عمر ناس، وعرق علماء. اللي يضيع كتاب كأنه قتل روح". علشان كده لما الوزير ابن العلقمي نادى في الناس "اللي عايز ينجو يرمي كتبه ويهرب"، حسن بص له وسكت. الهروب خيانة، بس خيانة الكتب خيانة للزمن كله.
دخل المكتبة خطوة خطوة. المكان اللي كان بينبض حياة بقى ساكت كأنه مقبرة. رفوف خشب من الأرض للسقف، شايلة مليون مجلد. هنا "قانون ابن سينا" في الطب، وهنا "كتاب الحيل" للجزري في الهندسة، وهنا دواوين المتنبي اللي لسه حبرها ما نشفش. كل ده بكرة هيترمي في نهر دجلة لحد ما الماية تسود من الحبر ويقولوا "دجلة بقت سودة من علم العرب".
ولّع شمعة صغيرة وحطها على المكتب النحاس بتاعه. النار رقصت على وشه. طلع ورقة بردي ومسك الريشة. إيده بتترعش بس قلبه ثابت. بدأ يكتب لابنه "يوسف" اللي بعته للشام من شهر مع قافلة تجار، يمكن ينجو:
"يا يوسف يا ضنايا ويا ريحة أبوك... لو جوابي ده وصلك يبقى أنا سبقتك لرب كريم، والمكتبة سبقتني. ما تزعلش على الطوب اللي بيقع، ولا على القصور اللي بتتحرق. بغداد الحقيقية مش في الأسوار. بغداد في السطر اللي بتكتبه، وفي الفكرة اللي بتتنقل من دماغ لدماغ.
أوعى تصدق إن السيف هو اللي بيحكم الدنيا. السيف آخره يقطع رقبة، إنما القلم بيبني أمة ويصحيها بعد ألف سنة نوم. لو حرقوا كل كتبنا النهاردة، بكرة واحد زيك هيقعد ويكتبها تاني من الذاكرة. العلم ما بيموتش يا ولدي، العلم بيتأجل بس.
أنا سبتلك كل عمري في الكتب دي. لو عشت، كمل اللي بدأناه. ولو مت، خلي اسمي يفضل سطر في حاشية كتاب. ده شرف أكبر من أي لقب".
صوت الباب الخشب اتكسر برجلة جندي مغولي. دخل شايل مشعل وسيفه بيقطر دم. بص للراجل العجوز اللي قاعد بيكتب، وبص للشمعة، وبص للرفوف اللي وراه. الدنيا كلها كانت لحظة.
حسن ما قامش. زق الورقة بسرعة في تجليد كتاب "مروج الذهب" وقفل عليه. وبص في عين الجندي وقال بصوت واطي بس واثق: "اقتل الجسد يا بني، إنما الكلمة مالهاش دية".
السيف نزل. الشمعة وقعت. النار مسكت في الرف الأول... وبعدين التاني... وبعدين بغداد كلها.
بعد 3 أيام، نهر دجلة بقى لونه إسود. المؤرخين كتبوا إن "ماية النهر اتحبرت 40 يوم". ناس قالت دي نهاية العلم، وناس قالت دي بداية جديدة.
واحد من جنود المغول، وهو بيفتش الأنقاض، لقى كتاب متفحم نصه. فتحه بالصدفة لقى الورقة. ما كانش بيعرف يقرا عربي، بس شكل الخط عجبه فاحتفظ بيها في درعه.
الورقة دي سافرت معاه لخوارزم، وبعدين لفارس، وبعدين وقعت في إيد تاجر وصلت إسطنبول. بعد 800 سنة، باحث تركي لقيها في أرشيف متحف. ترجمها وعينيه دمعت.
محدش عرف مين "حسن الوراق". بس كل طالب علم قرا الرسالة فهم حاجة واحدة: بغداد ما ماتتش يوم سقوطها... هي بس نامت شوية، ومستنية حد يصحيها بالقلم.