هل تعلم من هو القاضي الذي أذهل الجميع بدهائه.. تعال وتعرف عليه
حين يختبئ غريبٌ خلف باب القاضي.. قصة القضاء الذي أذهل الجميع!
كانت ليلةً لا تُشبه غيرها من الليالي في أزقة المدينة العتيقة.. الظلام يلفّ الدكاكين المغلقة، وصوت خُطى هائجة يرتطم بالأرض الحجرية كأنها ضربات طبول الحرب.
رجلٌ غريبُ الملامح، ثيابه ممزقة من أثر الركض، ووجهه شاحبٌ كالموت، يلهث بصدرٍ يعلو ويهبط كأنه يفرّ من ملك الموت نفسه! وخلفه.. ثلاثة شبان يركضون بشرارٍ يتطاير من أعينهم، يستلّون سيوفهم البرّاقة صائحين بصوتٍ هزّ جدران الحي:
— «قف يا ملعون! واللهِ لنجتزنّ رأسك اليوم ولن تفلت من أيدينا!»
تطلّع الرجل الغريب حوله بفرع، فلم يجد أمامه سوى باب دارٍ عتيقة يعلوها الوقار. دفق الباب بقبضتيه المرتجفتين بكل ما بقي فيه من قوة: «النجدة! النجدة!»
فُتح الباب.. وظهر منه شيخٌ هرم، ثيابه بيضاء كالثلج، وعيناه تمتلكان هيبةً تُجبر العتاة على الانحناء. ألقى الرجل بنفسه تحت قدمي الشيخ صائحاً بصوتٍ يختنق بالبكاء:
— «أجرني أجارك الله! يريدون قتلي وما قتلت.. أجرني يا شيخ!»
لم يسأله الشيخ عن دينه، ولا عن اسمه، بل نظر إلى الخوف المستعر في عينيه وأشار بيده إلى زاوية مظلمة:
— «خلف الباب.. توارَ هناك ولا تنبس ببنت شفة!»
لم تكد تمرّ ثوانٍ معدودة حتى اقتحم الشبان الدار، وعلى رأسهم شابٌ مكلوم يُدعى (خالد)، عيناه محمرّتان من الدموع والغضب. صرخ بحدة:
— «يا شيخ! تنحّ عن طريقنا.. إننا نبحث عن قاتلٍ فرّ منا! أين ذلك الذمي اليهودي الملعون؟!»
هنا.. لم يرتجف الشيخ الهرم، بل وقف بثباتٍ كالجبل الرواسي، وقال بنبرةٍ حازمة أطفأت جمرة غضبهم:
— «المسلم ليس باللعّان يا هذا! أم أنك تخالف رسول الله ﷺ؟»
تراجع الشاب خطوة للخلف مستدركاً:
— «معاذ الله يا شيخ! لكنه يهوديٌّ طبيب، قتل أبي بدوائه المسموم، ولا بد أن نأخذ برأسه الآن! نفسٌ بنفس!»
ردّ عليه الشيخ بصوتٍ كالرعد:
— «أهذا حكمُ قاضٍ أم حكمُ جاهلية؟! هل أقمتُم الحُجة عليه بين يدي أهل الصلاح والتقوى وعلى رؤوس الأشهاد؟ أم اكتفيتم بالظنّ ووساوس الشيطان؟»
حاول الشبان الالتفاف للبحث في أرجاء الدار، لكن الشيخ اعترض طريقهم بشجاعةٍ وإيمان، وتلا عليهم آيات العدل:
— «هبْ أنكم قتلتُموه.. ثم تبيّن لكم بعد ذلك أنه مظلوم! أقادرون أنتم على أن تحيوه من بعد موته؟! إن رسول الله ﷺ يقول: (يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة ناصيته ورأسه بيده، وأوداجه تشخب دماً، يقول: يا رب هذا قتلني!). خذوا صاحبكم وأعينوه على مصيبته بدلاً من أن تكونوا عوناً للشيطان عليه!»
ساد الصمت، وتراجعت السيوف إلى أغمدتها بمهابة كلام الشيخ. أردف الشيخ قائلاً:
— «لا تدفنوا القتيل حتى ننظر في أمره في الغد.. انصرفوا!»
انصرف الشبان يُجرّجون أذيال الخيبة والغضب، بينما خرج الطبيب اليهودي من خلف الباب وهو يتفضّض عرقاً، لا يصدّق أن مسلماً حماه من أبناء دينه!
لكن.. المفاجأة المرعبة كانت تنتظر الجميع في الصباح الباكر!
فالشيخ الهرم لم يكن مجرد رجلٍ عابر.. بل كان القاضي أبو بكر الأنصاري، قاضي البيمارستان الشهير بفراسته التي لا تخطئ!
فكيف سيكشف القاضي السرّ في اليوم التالي؟ ومن هو القاتل الحقيقي إذا كان الطبيب بريئاً؟

في صبيحة اليوم التالي، اجتمع الناس في مجلس القضاء. كان الشاب (خالد) يبتلع غصته وهو يرعد ويبرق، بجانبه صديقاه الوفيان (ضباعة) و(سعد) اللذان لم يفارقاه لحظة واحدة منذ مقتل أبيه.
جيء بالطبيب اليهودي مكبّلاً بالسلاسل، ووقف أمام القاضي أبو بكر الأنصاري.
قال القاضي برزانة: «يا يوسف.. اصدقني القول، ماذا حدث بالضبط؟»
ارتجف الطبيب وقال:
— «يا سيدي القاضي.. دخلوا عليّ في الدكان وأنا أداوي الرجل المتوفى، كان يتقيأ الدم ويحتضر، وأنا لم أتبين علّته بعد! سلّوا السيف على رأسي وأجبروني على إعطائه الدواء فوراً، فلما فاضت روحه، صرخوا بأني قتلته وسلّوا السيوف لقطع رأسي، فما كان مني إلا أن فررتُ بجلدي!»
التفت القاضي إلى الجثة قبل دفنها، وسأل عن الأعراض التي سبقت الموت، فتبين له أن الرجل كان يعاني من آلامٍ شديدة في بطنه ويتقيأ الدم منذ عدة أيام قبل أن يزور الطبيب!
وهنا.. لمست فراسة القاضي الخيط المفقود!
التفت القاضي وقال بصوتٍ حاسم: «هذا الرجل لم يمُت بسبب دواء الطبيب.. هذا الرجل مات مسموماً بسُمٍّ بطيء يُمزّق الأحشاء على مدار أيام!»
شهق الحاضرون! وساد الذهول في المجلس!
سأل القاضي: «من كان يرافق المتوفى في سفره وتنقلاته خلال الأيام الماضية؟»
أشار الجميع إلى صديقيه المقربين: (ضباعة) و**(سعد)**.
أمر القاضي فوراً بإخلاء المجلس، واقتاد الصديقين إلى غرفةٍ جانبيّة. بدأ يقلّب في متاعهما وحوائجهما بدقةٍ متناهية، وفجأة.. استخرج القاضي من بين ثياب أحدهما قارورة زجاجية صغيرة فيها آثار سائلٍ غريب!
تغيّر وجه (ضباعة)، واصفرّت شفتاه، وبدأ يرتجف بشكلٍ هستيري!
صنع القاضي أسلوبه الذكي وهجم عليه بالقول: «ما هذه القارورة يا ضباعة؟!»
انهار الشاب وسقط على ركبتيه باكياً بحرقة:
— «أنا لم أقتله يا سيدي! أقسم لك لم أقتله! نعم.. نعم أنا طامعٌ بمال خالد، وكنت أريد إبعاد أبيه الذي يمنعه من إعطائي المال، لكنني لم أضع السُم له!»
لكنّ اعترافه بالطمع، وجود القارورة في متاعه، وتضارب أقواله، كشفت الخطة الشيطانية كاملة!
كان (ضباعة) هو من يضع السُم التدريجي للرجل، وعندما شارف على الموت، أخذوه للطبيب لتلفيق التهمة به، كي يضربوا عصفورين بحجر: يتخلصون من الأب، ويقتلون الطبيب لتروح الجريمة بين الأقدام ويخلو لهم مال (خالد)!
أمر القاضي أبو بكر الأنصاري بإلقاء الخائن في السجن ليَنال جفاءه وعدل السماء، وأطلق سراح الطبيب اليهودي معززاً مكرماً.
ثم التفت القاضي إلى الشاب المفجوع (خالد)، الذي كان مصدوماً من خيانة أقرب أصدقائه إليه، ووضع يده على كتفه قائلاً تلك الكلمات الخالدة:
«أحمدِ الله الذي أظهر لك الحق، وفكّر مليّاً من الآن فصاعداً بمن تصاحب.. فالصاحبُ سَاحِب! إن كان خيراً سحبك إلى الخير، وإن كان شرّاً سحبك إلى الشقاء.. ينهَبُ مالك، ويغدُر بأهلك، ويُوردك المهالك!»
ظنّ الجميع في المجلس أن القضية قد أُغلقت، وأن العدالة أخذت مجراها ببقاء (ضباعة) خلف القضبان..
لكن.. هل هذه هي النهاية حقاً؟!
⚠️ تأنَّ.. فالقصة لم تنتهِ بعد! ولن تتوقع أبداً من هو القاتل الحقيقي الذي اختبأ خلف الستار، وكيف سيكشفه القاضي بفراسته المرعبة في تفاصيل لم تخطر على بال أحد!
🔔 تابع معنا الجزء الثاني والأخير.. لتعرف الحقيقة الصادمة وكيف سقط القاتل الحقيقي في الشباك!