دنشواي: المأساة التي هزت عرش الاحتلال البريطاني وأشعلت ثورة شعب.

دنشواي: المأساة التي هزت عرش الاحتلال البريطاني وأشعلت ثورة شعب.

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
Denshawai Incident Egypt 1906 museum or illustration, AI generated

 

دنشواي: المأساة التي هزت عرش الاحتلال البريطاني وأشعلت ثورة شعب

في الحادي عشر من يونيو عام 1906، لم تكن قرية "دنشواي" الهادئة القابعة في أعماق محافظة المنوفية وتحديداً في مركز الشهداء، تعلم أنها على موعد مع حادثة مأساوية ستغير مجرى التاريخ المصري الحديث بأسره. لم تكن هذه الحادثة مجرد مواجهة عابرة أو جريمة جنائية تقليدية، بل تحولت بفعل الصلف والغطرسة الاستعمارية إلى واحدة من أبشع الجرائم السياسية والإنسانية التي ارتكبها الاحتلال البريطاني في حق الفلاحين المصريين البسطاء، وصارت شرارة وطنية لا تنطفئ ونقطة تحول فاصلة في مسيرة النضال من أجل الاستقلال.

تبدأ تفاصيل هذه المأساة التاريخية عندما وصل خمسة من الضباط البريطانيين التابعين لجيش الاحتلال إلى القرية بهدف ممارسة هواية صيد الحمام. ورغم أن أهالي القرية استقبلوهم بشكل طبيعي في البداية، إلا أن الفلاحين سرعان ما شعروا بالقلق وحذروا الضباط من خطورة إطلاق النار العشوائي بالقرب من أجران القمح الجافة، خوفاً من احتراق المحصول الذي يمثل قوت عامهم ومصدر رزق أطفالهم الوحيد. لكن الضباط تعاملوا مع التحذيرات بتجاهل تام وفوقية شديدة، واستمروا في إطلاق النار، مما أدى بالفعل إلى اشتعال النيران في أحد أجران القمح، وإصابة سيدة مصرية بريئة تُدعى "أم صابر" برصاصة طائشة سقطت على إثرها غارقة في دمائها.

أمام هذا المشهد الصادم، ثار غضب فلاحي القرية الأبرياء الذين هبوا للدفاع عن أنفسهم وعن قريتهم المحترقة، واندلع شجار عنيف وعشوائي بين الأهالي العزل والضباط المسلحين. وأثناء محاولة الضباط البريطانيين الفرار من مكان الحادث والركض لمسافات طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة في شهر يونيو الخانق، تعرض أحد الضباط لضربة شمس شديدة سقط على إثرها فاقداً للوعي ومات لاحقاً نتيجة للإجهاد الحراري، وليس نتيجة لاعتداء مباشر بالقتل من الفلاحين.

بدلاً من التعامل مع الحادث بحكمة وموضوعية وفقاً للقانون، قررت سلطات الاحتلال البريطاني بقيادة المعتمد البريطاني "اللورد كرومر" استغلال الحادثة لفرض سياسة البطش والترهيب وكسر شوكة الحركة الوطنية المتصاعدة في البلاد. وشُكلت محاكمة عسكرية عاجلة وصورية في مدينة شبين الكوم، افتقرت لأدنى معايير العدالة الإنسانية والقانونية الدولية؛ حيث كان الخصم هو الحكم في آن واحد. وجاءت الأحكام جائرة وقاسية لتهز ضمير العالم بأسره: حيث حُكم بالإعدام شنقاً على أربعة من وجهاء وفلاحي القرية وهم (حسن علي محفوظ، ويوسف حسين سليم، والسيد عيسى سالم، ومحمد درويش زهران)، وبالسجن والأشغال الشاقة لمدد تتراوح بين المؤبد والسنوات لـ 12 آخرين، بالإضافة إلى الحكم بجلد عدد من الفلاحين علناً بالسياط.

بلغت النذالة والوحشية ذروتها عندما أصرت سلطات الاحتلال على تنفيذ أحكام الإعدام والجلد داخل قرية دنشواي نفسها، وبناء المشانق أمام أعين أسر الضحايا، وزوجاتهم، وأطفالهم الذين تعالت صرخاتهم ونحيبهم في مشهد جنائزي مهيب أراد منه المحتل ترسيخ الخوف في قلوب المصريين. لكن السحر انقلب على الساحر تماماً؛ فبدلاً من أن يزرعوا الخوف، زرعوا غضباً عارماً تغلغل في نفوس كل طوائف الشعب المصري من شمال البلاد إلى جنوبها.

تحولت دماء شهداء دنشواي وعذابات أهلها إلى وقود وطني حقيقي؛ حيث قاد الزعيم الوطني الشاب مصطفى كامل حملة إعلامية ودبلوماسية دولية ومحلية شرسة وممنهجة لفضح بشاعة ووحشية الاستعمار البريطاني. وسافر على الفور إلى أوروبا وكشف الحقائق أمام الرأي العام العالمي ونشر المقالات في كبرى الصحف الفرنسية والإنجليزية، مما وضع الحكومة البريطانية في موقف دولي مخزٍ ومحرج للغاية. وتحت وطأة هذا الضغط الشعبي والدولي الهائل، اضطرت بريطانيا في النهاية إلى سحب اللورد كرومر من منصبه كمعتمد بريطاني في مصر، وهو الذي ظل يحكم البلاد بقبضة من حديد لسنوات طويلة، وجرى تعيين حاكم آخر لتهدئة الأوضاع.

إن حادثة دنشواي لم تكن مجرد جريمة ضد أفراد، بل كانت الصخرة الصلبة التي تحطمت عليها هيبة وكبرياء الاحتلال البريطاني في مصر، واللبنة الأولى والشرارة الحقيقية التي وحدت صفوف المصريين، ومهدت الأرض لثورة 1919 الكبرى، لتظل هذه المأساة محفورة في الوجدان المصري كدليل حي على أن وعي الشعوب، وصمودها، وتمسكها بحقها هو السلاح الأقوى القادر على دحر الظلم والطغيان مهما طال الزمان.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Ahmed Waleed تقييم 5 من 5.
المقالات

1

متابعهم

3

متابعهم

2

مقالات مشابة
-