مقاله لفيلم برينج هير بالك منرجم
مراجعة فيلم Bring Her Back: عندما يتحول الحزن إلى طقس شيطاني مرعب ومدمّر

بعد النجاح العالمي المدوي الذي حققه الثنائي الأسترالي داني ومايكل فيليبو (Danny & Michael Philippou) في فيلمهما الأول Talk to Me، الذي أحدث ثورة في سينما الرعب العصرية من خلال معالجته المبتكرة لمفاهيم الإدمان والتماس الأرواح في عصر التواصل الاجتماعي، يعود الأخوان فيليبو بجرعة مضاعفة من الرعب الجسدي والنفسي في فيلمهما الجديد Bring Her Back (2025). هذا العمل، الذي يقع تحت مظلة شركة الإنتاج الطليعية A24 التي عودتنا على أعمال فنية عميقة ومقلقة في آنٍ واحد، يثبت أن نجاحهما الأول لم يكن محض صدفة، بل هو تجسيد لرؤية إخراجية جريئة قادرة على سبر أغوار النفس البشرية واختراق تابوهات الخسارة بصور سينمائية كابوسية لن تنسى.
القصة: رحلة إلى قلب ظلام "لورا" ووعائها البشري
تبدأ أحداث الفيلم بصدمة مأساوية تضع المشاهد على الفور في حالة من الضيق والتعاطف؛ الشقيقان آندي البالغ من العمر سبعة عشر عاماً، وبايبر أخته الكبرى غير الشقيقة التي تعاني من فقدان البصر، يجدان والدهما جثة هامدة في حمام المنزل. وبما أنهما قاصران، ولا يستطيع آندي تولي الوصاية القانونية على أخته، تقوم دائرة الخدمات الاجتماعية بنقلهما للعيش تحت رعاية مربية بديلة تُدعى لورا، التي تجسد دورها النجمة الكبيرة سالي هوكينز (Sally Hawkins) بأداء سينحفر في تاريخ أفلام الرعب.
تعيش لورا في منزل معزول يكتنفه الغموض، وتبدو في البداية كامرأة حنونة تحاول التخفيف من مصاب الشقيقين، لكن سريعاً ما يتضح أن هذا المنزل ليس مأواً آمناً بقدر ما هو مسرح لطقوس سحر أسود وشعوذة عميقة الجذور. يكتشف آندي وبايبر وجود طفل آخر يعيش معهما في صمت تام، يُدعى أوليفير، لكنهما يجهلان أنه ليس مجرد طفل متبنى، بل هو "وعاء" بشري يتم استغلاله كجسر بين عالم الأحياء وعالم الأرواح المظلمة. إن لورا، المدفوعة بحزن مرضي لا يُطاق بعد غرق ابنتها الصغيرة "كاثي"، قد باعت إنسانيتها للشيطان حرفياً؛ فهي تمارس طقوساً دموية وبشعة لاستدعاء أرواح شريرة، وتسعى يائسة عبر طقس غامض يُعرف باسم "الأركين" (The Arcan) لإيجاد طريقة لبعث ابنتها مرة أخرى في جسد أوليفير، حتى لو كان الثمن تقديم قربان من أرواح الأطفال الآخرين الذين يقعون في شباكها.
الأداء التمثيلي: جنون سالي هوكينز وتحفة الرعب النفسي
يعتبر الأداء التمثيلي في فيلم Bring Her Back أحد أقوى ركائزه، حيث تفوقت سالي هوكينز على نفسها بتقديم شخصية معقدة ومرعبة عاطفياً وجسدياً. فهي ليست مجرد "وحش" سينمائي تقليدي، بل هي تجسيد بشري للألم الشديد الذي يتحول إلى هوس قاتل ودمار شامل. يتحول أداؤها بسلاسة وبشكل مرعب بين مشاعر الأمومة الجياشة والانهيار العصبي الجنوني، مما يشعر المشاهد بحالة مستمرة من الارتعاد والقلق. على الجانب الآخر، نجح بيلي بارات وسورا وونغ في تجسيد مشاعر الصدمة، العجز، والمسؤولية الإنسانية بين الأخ وأخته وسط أجواء الخوف المتصاعد التي تخنق الأنفاس.
الإخراج والرؤية الفنية: رعب جسدي يلامس الواقع
على غرار فيلمهما الأول، يعتمد الأخوان فيليبو على الواقعية البشعة والمشاهد الدموية غير المتوقعة لخلق حالة من الصدمة العميقة لدى الجمهور. الفيلم لا يعتمد على "القفزات المرعبة" السهلة بقدر ما يعتمد على الرعب الجسدي (Body Horror) واستخدام الإضاءة والمطر والمساحات المغلقة بعزلة تامة لخلق حالة من الاختناق النفسي لدى المتابع.
الخلاصة: الحزن كقوة تدميرية
الفيلم لا يقدم مجرد قصة رعب، بل هو دراسة سينمائية عميقة وغوص في فكرة "غريزة الفقدان" ومحاولة التمسك بالراحلين بأي ثمن. Bring Her Back هو فيلم سوداوي يُبقيك على أعصابك طوال ساعتين، تاركاً خلفه تساؤلاً مخيفاً حول الحد الذي يمكن أن نصل إليه عندما يتحول الحزن إلى خبل قاتل.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق