في هذا المقال
دين في رقبتي.. لأصحاب الفضل
4 دروس تعلمتها من معلمي الإعدادية بعد 35 سنة

أبلغ اليوم خمسين عاماً. في هذا العمر يبدأ الإنسان في النظر إلى الخلف أكثر من الأمام، ويسأل نفسه سؤالاً بسيطاً:
من الذي وضع أول حجر في الطريق؟
بالنسبة لي، الإجابة تعود دائماً إلى مكان وزمن محدد: مدرستي الأقباط الإعدادية المشتركة في أواخر الثمانينات.
لماذا تعتبر مرحلة الإعدادية مرحلة فارقة؟
مرحلة الإعدادية هي أخطر مرحلة في حياة الطالب. هي المرحلة التي ينتقل فيها من طفولة الابتدائية إلى وعي الثانوية. في سن 13 و 14 سنة يتشكل سلوك الطالب وشخصيته أكثر مما يتشكل مستواه الدراسي. ولذلك، فإن المعلم في هذه المرحلة لا يكون مجرد مدرس مادة، بل يكون مربياً وقدوة. وهذا ما لمسته بنفسي.
ما الذي ميز تجربتي في هذه المدرسة؟
عندما أتحدث عن مدرستي، فأنا أتحدث عن تجربة شخصية عشتها. كانت مدرستي في ذلك الوقت من المدارس التي كانت تُضرب بها المثل في منطقتنا من حيث النظافة والانضباط ومستوى المعلمين. كان هناك اهتمام واضح بطابور الصباح، بنظافة الفناء والفصول، وبالتزام المدرسين بمواعيدهم. وحتى اليوم، مازالت المدرسة تحافظ على نفس السمعة الطيبة بين أهالي المنطقة، وهذا لم يأت من فراغ، بل نتيجة عمل تراكمي لإدارات ومعلمين اعتبروا المدرسة بيتهم الثاني. الدرس الذي تعلمته هنا أن جودة المدرسة لا تقاس بجمال المبنى، بل بانضباط منظومتها.
الدرس الأول: اللغة العربية ليست قواعد فقط

كان معلم اللغة العربية، أ. السعيد محمد أحمد، يمتلك طريقة مختلفة. لا أنسى مشهد جامع المدرسة الصغير بعد صلاة الظهر، عندما يكون المكان هادئاً بعد انتهاء الفسحة، وأجده يقرأ القرآن وحده بصوت جميل.
كانت تلك المرة الأولى التي أفهم فيها معنى الآيات بقلبي وليس بأذني فقط. في تلك اللحظة أدركت أن اللغة العربية ليست مجرد نحو ونصوص للحفظ من أجل الامتحان، بل هي لغة إحساس وصوت. تعلمت منه أن المعلم عندما يحب مادته بصدق، فإنه ينقل هذا الحب إلى طلابه دون مجهود. إذا كنت اليوم أستطيع كتابة جملة مفيدة والتعبير عن فكرة، فالفضل بعد الله يعود إلى تلك الدقائق التي سمعته فيها يقرأ.
تنويه: كل الصور مرممة بالذكاء الاصطناعي لإظهار الأستاذ في فترة الثمانينات
الدرس الثاني: المعلومة تصل بالقبول

أما معلم العلوم، أ. صبري عثمان رحمه الله، فكان يمتلك صفة لا تشترى وهي القبول. كان وجهه مألوفاً ومريحاً، وابتسامته هادئة وصافية. كان يشرح التجارب العلمية الصعبة بطريقة مبسطة تجعلك تشعر أنها سهلة.
وكان من حسن حظي أن هذا المعلم كان جاري في السكن، فكنت أراه في المدرسة وفي الشارع بنفس التواضع. وبعد سنوات طويلة، عندما كبرت وأصبحت رجلاً، قابلته صدفة في صلاة الفجر. ترددت في السلام عليه، لكنني تقدمت وسلمت عليه، فنظر إلي وابتسم وقال: "ازيك يا أستاذ إبراهيم، أخبارك إيه يا إبني".
كلمة "يا أستاذ" من معلمي الذي علمني وأنا طفل، كانت تقديراً كبيراً شعرت معه بقيمة ما تعلمته. تعلمت منه أن المعلومة تصل بسرعة عندما تأتي من شخص طيب، وأن احترام الطالب حتى بعد أن يكبر هو جزء أساسي من العملية التعليمية.
تنويه: كل الصور مرممة بالذكاء الاصطناعي لإظهار الأستاذ في فترة الثمانينات
الدرس الثالث: هيبة المعلم تبدأ من التزامه

يختلف الأمر مع معلم الرياضيات، أ. سمير المغربي رحمه الله. كان رجلاً يجمع بين الحزم والتهذيب. كانت له هيبة تجعلك تحترمه دون أن يطلب منك ذلك. كنت أحرص على أن أظهر بمظهر منضبط إذا رأيته حتى صدفة في الشارع.
كان أنيقاً جداً في ملبسه، قميصه نظيف وحذاؤه مرتب دائماً. لم نكن نفهم وقتها، لكنه كان يقدم لنا درساً صامتاً: أن المعلم قدوة في كل شيء، حتى في مظهره والتزامه. وكان بالنسبة لجيلنا أخاً كبيراً نلجأ إليه عند الحاجة. علمنا أن الانضباط ليس قسوة، بل هو احترام للنفس وللآخرين، وأن المسألة الصعبة في الرياضيات تحتاج إلى خطوات منظمة، تماماً مثل مشاكل الحياة.
تنويه: كل الصور مرممة بالذكاء الاصطناعي لإظهار الأستاذ في فترة الثمانينات
الدرس الرابع: المبدأ أهم من العدد

ولا يمكن أن أنسى معلم اللغة الإنجليزية، أ. زكريا عبد الظاهر رحمه الله، صاحب العبارة التي يتذكرها كل من درس في تلك الفترة "خدلك واحدة كهربا".
كان قليل الكلام، لكنه كان واضح المبدأ. كان لديه قاعدة لا يحيد عنها في الدروس الخاصة: لا يقبل أي طالب يريد أن يأخذ درساً لمجرد أنه يدفع. كان شرطه أن يكون الطالب مستحقاً للوقت والجهد من حيث مستواه واجتهاده. لم يكن ينظر إلى المقابل المادي، بل إلى جدية الطالب. تعلمت منه أن التعليم رسالة وليس تجارة، وأن الحفاظ على جودة ما تقدمه أهم من زيادة عدد من يتلقاه.
تنويه: كل الصور مرممة بالذكاء الاصطناعي لإظهار الأستاذ في فترة الثمانينات
ماذا بقي معي بعد 35 سنة؟
بعد مرور كل هذه السنوات، أدركت أن هؤلاء المعلمين لم يعلموني مواد دراسية فقط. هم علموني أن الاحترام يسبق المعلومة، وأن الكلمة الطيبة قد تغير مسار طالب، وأن الانضباط والمظهر والالتزام هي رسائل تربوية قبل أن تكون سلوكاً شخصياً.
المدرسة التي تعلمك أن تحافظ على نظافتك، وتحترم وقتك، وتحترم من هو أكبر منك، قبل أن تعلمك جدول الضرب، هي مدرسة تقدم تربية حقيقية.
تنويه: كل الصور المرفقة في المقال مرممة بالذكاء الاصطناعي لإظهار الأستاذ في فترة الثمانينات، مع الحفاظ على الملامح الأصلية، تقديراً لعطائهم.
كلمة أخيرة

وحتى أكون منصفاً، هؤلاء الأساتذة الأربعة ليسوا هم وحدهم أصحاب الفضل علي. هناك قائمة طويلة من المدرسين والمدرسات الأفاضل في الأقباط الإعدادية وفي مراحل تعليمية أخرى، رجال وسيدات بذلوا جهداً صادقاً معنا. لم أذكر أسماءهم في هذا المقال حتى لا يطول أكثر من اللازم، لكنني سأخصص لهم مقالات قادمة بإذن الله، أذكر فيها كل واحد منهم وأوضح ما تعلمته منه، لأن الوفاء تجربة تستحق أن توثق.
إبراهيم بهيج
تابع جديد Ibrahim Bahig
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق