أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
الروايات

جثّة بلا بصمة وُجدت غداً

تخيل أن تُستدعى في الرابعة صباحاً لمعاينة مسرح جريمة، لتجد جثة رجل يحمل تقريراً طبياً بوفاته الصادرة في العاشرة مساءً من اليوم نفسه! هذا ما واجهه المحقق "سالم" في أغمض قضايا حياته، لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في التاريخ المستقبلي للجريمة، بل عندما اكتشف أن بصما

Sama MohamedSama Mohamedالكاتب 3 د للقراءة 0.00 المراجعات
جثّة بلا بصمة وُجدت غداً

جثّة بلا بصمة وُجدت غداً

image about جثّة بلا بصمة وُجدت غداً

لم تكن القضايا المروّعة أو الجرائم العنيفة هي التي تُبقي المحقق "سالم" مستيقظاً في خزانة مكتبه المظلمة حتى ساعات الفجر الأولى، بل تلك التفاصيل الصغيرة التي تبدو منطقية ومتقنة أكثر من اللّازم. كانت خبرته الطويلة في سلك التحقيق تعلّمه أن الكمال في مسرح الجريمة هو أول خيوط الخديعة، لكن ما حدث في هذا الصباح البارد كسرت كل قواعد المنطق التي صاغها طوال حياته.

في الساعة الرابعة فجراً، تلقت الغرفة المركزية بلاغاً عاجلاً، واستُدعي سالم على إثره إلى ميناء قديم هادئ تُحيطه ظلال الضباب وتنعكس عليه أضواء المصابيح الباهتة. كانت هناك جثة لرجل في الأربعينيات من عمره، يرتدي معطفاً ثقيلاً يقطر ماءً ملحياً، ومستلقياً على رصيف خرساني بارد. الغريب لم يكن هيئة الرجل المبتلة ولا ملامحه الرمادية القاسية، بل ما وُجد داخل جيب معطفه الداخلي: بطاقة هويته الشخصية التي تحمل اسمه وصورته الكاملة، وبجوارها تقرير طبي صادر رسمياً من مستشفى المدينة المترامي أطرافه.

حين فتح سالم التقرير تحت إضاءة كشافه الصغير، تجمدت الدماء في عروقه؛ كان التقرير يوثّق حالة الوفاة الصادرة بتاريخ اليوم نفسه... ولكن الساعة الواردة في بند الوفاة كانت العاشرة مساءً.

كان عقرب ساعته اليدوية يشير بوضوح إلى الرابعة صباحاً فقط. كيف لرجل أن يموت بتقرير طبي رسمي يُفترض أنه سَيُصدر بعد ست عشرة ساعة من الآن؟

بدأ سالم بالتحقيق كالمجذوب، يُفتش الضحية ويكتسح مسرح الجريمة شبراً بشبر. وفي تلك اللحظة بالذات، اهتز هاتف المتوفى في كفه، لتوصل له إشعاراً برسالة نصية أُرسلت قبل دقائق معدودة ومن الرقم الشخصي للمتوفى نفسه! كانت الرسالة تقرأ: "لا تبحث عن القاتل يا سالم، ابحث عن الساعة التي توقف فيها زمنك."

عندما تحرك سالم لمعاينة الجثة بتمعن أكبر مستخدماً معدات الأدلة الجنائية، لاحظ شيئاً جعل أنفاسه تتنفس بصعوبة وشكوكه تنقلب إلى كابوس: جثة الرجل لم تكن تحمل بصمات عادية، بل أظهرت أجهزة الفحص الميداني أن بصمات أصابعه مطابقة تماماً، وبنسبة مئة بالمئة، لبصمات... سالم نفسه.

قفل سالم جهازه المحمول، ونظر إلى انعكاس وجهه الشاحب في شاشته المظلمة بينما بدأت قطرات المطر الثقيلة تهطل بغزارة على الميناء، مدركاً بنشوة مرعبة أن القصة لم تبدأ بعد، وأن هذا الرجل الملقى على الأرض ليس سوى نسخة منه قادمة من المستقبل... جاء ليمسح أثره ويمنعه من ارتكاب الخطيئة الكبرى التي ستحدث في العاشرة مساءً.

وقف مشدوهاً يقلب وثائق الضحية بين يديه الباردتين، يحاول التقاط أنفاسه وسط ذهول أفقده القدرة على التمييز بين الوهم والواقع.

شعر ببرودة تسري في أطرافه وكأن الزمان يتجمد من حوله، لتتحول الحقيقة الملموسة أمامه إلى لغز يتحدى عقله.

وسط صمت الليل الموحش وتلاطم أمواج البحر على الرصيف المظلم

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق