في هذا المقال

في أطراف المدينة، حيث تنتهي المباني وتبدأ مساحات طويلة من الصمت

كانت هناك محطة قطارات قديمة لا يتوقف عندها إلا عدد قليل من القطارات المحلية. محطة صغيرة تبدو وكأن الزمن نسيها، وكان يوسف يعيش ويعمل فيها منذ سنوات.
كان يوسف شابًا هادئًا اعتاد الوحدة حتى أصبحت جزءًا من حياته. يقضي معظم وقته داخل مكتب صغير تفوح منه رائحة الورق القديم، وبين يديه دائمًا كوب من الشاي بالنعناع يصنعه كل ليلة على موقد غاز قديم. وفي الخلفية، كانت ساعة معلقة على الحائط تواصل تكتكتها المنتظمة، وكأنها تذكره في كل ثانية بأن الليل طويل.
كان أكثر ما يلفت انتباهه هو مرور القطارات ليلًا. كانت تعبر المحطة بسرعة، فتملأ المكان بصوت العجلات واهتزاز القضبان، ثم تختفي في الظلام تاركة خلفها موجة باردة من الهواء.
لكن كان هناك قطار واحد ينتظره يوسف بشكل مختلف.
كل يوم سبت، في تمام الساعة الحادية عشرة والنصف مساءً، كان القطار السريع يمر من المحطة دون أن يتوقف. لم يكن يوسف ينتظره بسبب عمله، ولم يكن هناك سبب منطقي يجعله يخرج إلى الرصيف في ذلك الموعد تحديدًا.
كان ينتظر نافذة واحدة فقط.
نافذة العربة السادسة.
خلفها كانت تجلس مليكة.
في البداية، لم يعرف يوسف اسمها. كل ما عرفه أنها فتاة هادئة ذات شعر قصير وملامح بسيطة، تجلس غالبًا بالقرب من النافذة، وتحمل معها كتابًا تقرأ منه أثناء الرحلة.
وفي أحد أيام السبت، رفعت مليكة عينيها عن الكتاب، فوجدت يوسف واقفًا على الرصيف ممسكًا بكوب الشاي.
تلاقت عيناهما لثوانٍ.
ثم مر القطار.
لم يحدث شيء آخر.
لكن في السبت التالي، عادت مليكة للنظر إليه.
هذه المرة، ابتسمت.
ومنذ تلك اللحظة، بدأت حكاية غريبة لا تحتاج إلى رسائل أو مكالمات أو كلمات.
كل سبت، كانت مليكة تقترب من المحطة، وتترك كتابها للحظات، ثم تنظر من النافذة. وفي اللحظة التي ترى فيها يوسف، كانت تضع كفها على زجاج النافذة.
وكان يوسف يرفع كوب الشاي في يده، كأنه يرد عليها بتحية لا يفهمها سواهما.
لم يكن أي منهما يعرف اسم الآخر في البداية، ومع ذلك أصبح لكل واحد منهما مكان ثابت في يوم الآخر.
دقيقة واحدة فقط.
دقيقة تمر فيها عيون مليكة على الرصيف، وتجد يوسف واقفًا في مكانه.
وبالنسبة ليوسف، كانت تلك الدقيقة كافية لتجعل أسبوعًا كاملًا أقل قسوة.
مرت الشهور، وتحولت الإشارة الصغيرة إلى طقس لا يتغير. حتى في الليالي الباردة، وحتى عندما كانت السماء تمطر، كان يوسف يقف على الرصيف.
ومليكة كانت تبحث عنه من نافذتها.
لم تكن تعرف لماذا تفعل ذلك، ولم يكن هو يعرف إلى أين يمكن أن تقود هذه الحكاية.
لكن بعض المشاعر تبدأ قبل أن نجد لها اسمًا.
ثم جاءت ليلة شتوية مختلفة.
كانت السماء ملبدة بالغيوم، والمطر ينزل بخفة، ورائحة التراب المبلل تملأ المكان. وقف يوسف في موعده المعتاد، ممسكًا بكوب الشاي، منتظرًا القطار.
ظهر ضوءه من بعيد.
اقترب القطار بسرعة، وبدأ صوته يملأ المحطة.
لكن فجأة، حدث شيء غير متوقع.
صدر صوت قوي من الفرامل، وبدأ القطار في خفض سرعته بشكل مفاجئ. اهتزت العربات، وتطاير بعض الشرر بالقرب من القضبان، حتى توقف القطار تمامًا.
تجمد يوسف في مكانه.
القطار الذي لم يتوقف يومًا... توقف أخيرًا.
ثم انفتح باب إحدى العربات.
كانت مليكة تقف أمامه.
نظرت حولها للحظات، ثم رفعت عينيها نحو يوسف، وكأنها تحاول التأكد من أنها لا تحلم.
نزلت إلى الرصيف بخطوات مترددة.
قالت وهي تبتسم بتوتر:
“أنا كنت فاكرة إني الوحيدة اللي بتبص من النافذة دي كل أسبوع... كنت فاكرة إني بكلم خيالي.”
نظر إليها يوسف للحظات، ثم مد يده بكوب الشاي الذي ظل يحتفظ به طوال الرحلة القصيرة التي اعتاد انتظارها.
وقال:
“ولا مرة كنتِ لوحدك... كنتِ النور الوحيد اللي بيعدّل لي ميزان الأسبوع كله.”
ساد الصمت بينهما.
لأول مرة، لم تكن هناك نافذة تفصل بينهما.
ولا قطار يمر مسرعًا.
ولا ثوانٍ قليلة يجب عليهما أن يستغلاها قبل أن تختفي هي في الظلام.
كانا يقفان أمام بعضهما على رصيف المحطة، وكأن كل تلك الشهور لم تكن سوى مقدمة لهذه اللحظة.
لكن القطار لم يتوقف من أجل قصة حب.
كان توقفه بسبب عطل فني، ولم يكن أمامه سوى دقائق قليلة قبل أن يعود إلى طريقه.
دقيقتان فقط.
ومع ذلك، كانت الدقيقتان كافيتين لتغيير شيء كبير في حياة الاثنين.
وقبل أن تصعد مليكة إلى القطار، أخرجت كتابها القديم من حقيبتها، وكتبَت على الصفحة الأولى بقلم رصاص:
“القطار ممكن يفوت، بس الحكايات الحقيقية مبتنتهيش في محطات عابرة... استناني السبت الجاي، بس من جوه القطر مش من على الرصيف.”
أغلقت الكتاب ووضعته في يد يوسف.
ثم صعدت إلى العربة.
تحرك القطار ببطء، وعادت النافذة السادسة إلى مكانها المعتاد.
لكن هذه المرة، لم تكن مليكة مجرد وجه خلف الزجاج.
كانت تحمل وعدًا.
وقف يوسف على الرصيف، يراقب القطار حتى اختفى تمامًا في آخر الطريق.
ثم نظر إلى الكتاب بين يديه وابتسم.
منذ ذلك اليوم، لم يعد ينتظر القطار لأنه يمر.
أصبح ينتظره لأنه يعرف أن خلف نافذته السادسة توجد حكاية بدأت بنظرة، وكبرت في صمت، ثم وجدت طريقها أخيرًا إلى رصيف الانتظار.
وربما كانت تلك هي الحقيقة التي لا نتعلمها إلا بعد وقت طويل:
بعض الأشخاص لا يدخلون حياتنا عندما نبحث عنهم، بل يصلون إلينا في الموعد الذي لا نتوقعه، وفي المكان الذي ظننا أنه لا يحمل لنا شيئًا.
تابع جديد Salvatore
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق