في هذا المقال
رحت المستشفى أصغّر صدري، فاتفاجئت إن الدكتور طليقي!
لقاء لم يكن في الحسبان
«إنتِ اتجوزتي قبل كده؟ عندك أولاد؟ ورضعتي قبل كده؟»
نظرت فريدة إلى الطبيب الجالس أمامها، وهي تحاول السيطرة على غضبها. لم تكن تتخيل أن تضطر يومًا للإجابة عن أسئلة طبية يطرحها عليها طليقها، الدكتور زياد الشناوي، الذي انفصلت عنه منذ ثلاثة أشهر فقط.
قالت بغيظ واضح:
«يا دكتور زياد، إحنا كنا متجوزين سنتين واتطلقنا من تلات شهور! هو إنت بجد محتاج تسألني الأسئلة دي؟»
رفع زياد عينيه عن شاشة الكمبيوتر، ثم عاد إلى مراجعة الملف أمامه، وقال ببرود:
«يا مدام فريدة، إحنا دلوقتي في كشف طبي، وياريت تجاوبيني على الأسئلة عشان نقدر نحدد حالتك بشكل صحيح.»
كانت فريدة على وشك أن تفقد أعصابها. كيف يستطيع هذا الرجل التعامل معها وكأنها مجرد مريضة لا يعرف عنها شيئًا، رغم أنه كان زوجها يومًا ما؟
كان زياد جراح تجميل مشهورًا، يتمتع بمهارة كبيرة وسمعة مهنية ممتازة. اعتاد قضاء ساعات طويلة داخل المستشفى، وقد تمر أيام لا يكاد يرى فيها بيته. لكن نجاحه في عمله كان له ثمن باهظ في حياته الزوجية، فقد كانت فريدة تشعر دائمًا بأنها تأتي في المرتبة الأخيرة من اهتماماته.
ذكرى زواج تحولت إلى ليلة مؤلمة
قبل ثلاثة أشهر، كانت فريدة لا تزال زوجة زياد. وفي يوم ذكرى زواجهما الثانية، قررت أن تصنع له مفاجأة مميزة.
اشترت الطعام الذي يحبه، وقضت ساعات في المطبخ لإعداد عشاء خاص بيديها. رتبت المائدة، واختارت إضاءة هادئة، واشترت له هدية كانت تعرف أنه يتمناها منذ فترة طويلة.
ثم جلست تنتظره.
مرت الساعة التاسعة، ثم العاشرة، وبعدها الحادية عشرة، بينما كانت فريدة تتفقد هاتفها كل بضع دقائق، على أمل أن تجد رسالة تخبرها بموعد وصوله.
لكن لم تصل أي رسالة.
وعندما تجاوز الوقت منتصف الليل، بدأت تشعر بخيبة أمل كبيرة. حاولت إقناع نفسها بأن زوجها ربما اضطر إلى التعامل مع حالة طارئة، وأن طبيعة عمله لا تسمح له دائمًا بالالتزام بالمواعيد.
لكن الألم الذي شعرت به في بطنها قرابة الثانية صباحًا كان أشد من قدرتها على الاحتمال. اضطرت إلى الذهاب إلى المستشفى بمفردها، حيث قضت بقية الليل تتلقى الرعاية الطبية.
طوال تلك الساعات، لم تكن تنتظر الكثير. كانت تريد فقط أن يتصل بها زياد، أن يسألها عن حالها، أو حتى أن يتذكر ذكرى زواجهما.
لكن هاتفها ظل صامتًا.
وعندما عادت إلى المنزل مع أول ضوء للنهار، كانت مرهقة وشاحبة، ولم تكن تملك الطاقة حتى للتعبير عن حزنها.
وصل زياد بعد ذلك بقليل، وألقى بنفسه على الأريكة من شدة التعب. لم يلاحظ حالتها، ولم يسألها أين قضت الليل.
نظرت إليه فريدة طويلًا، ثم قالت بمرارة:
«هو إنت بقيت حتى مش بتبص في وشي؟»
فتح عينيه بصعوبة، وأجابها:
«حقك عليّا يا فريدة، أنا مرهق جدًا.»
كانت كلماته قصيرة، لكنها أشعلت بداخلها كل مشاعر الحزن المتراكمة. لم تكن هذه المرة الأولى التي تشعر فيها بأنها وحدها داخل زواجها، لكنها كانت المرة التي لم تعد قادرة بعدها على الاستمرار.
قرار الطلاق الذي لم يحاول منعه
بعد أن استيقظ زياد من نومه، وجد حقيبتي سفر فريدة بجوار باب الشقة.
نظر إليهما باستغراب وسألها:
«إيه الشنط دي؟»
وقفت أمامه، تحاول أن تبدو قوية رغم الألم الذي يعتصر قلبها، وقالت:
«أنا عايزة أطلق.»
كانت تنتظر منه أي رد فعل. ربما يسألها عن السبب، أو يحاول إقناعها بالتراجع، أو يعترف أخيرًا بأنه قصّر في حقها.
وفي أعماقها، كانت تتمنى أن ينهض من مكانه ويطلب منها ألا تتركه.
لكن زياد لم يفعل شيئًا من ذلك.
قال بهدوء إنه سيوصلها إلى منزل والدتها لأنها لا تقود السيارة، ثم طلب منها رقم لوحة السيارة التي ستستقلها حتى يتأكد من وصولها بأمان.
لم يحاول منعها من الرحيل، ولم يطلب منها فرصة أخرى.
وبعد فترة قصيرة، انتهت إجراءات الطلاق، وبدأ كل منهما حياة منفصلة عن الآخر.
خرجت فريدة من الزواج وهي تحمل سؤالًا مؤلمًا: كيف يمكن لشخص أن يعيش معك عامين كاملين، ثم يتركك ترحل دون أن يحاول الاحتفاظ بك؟
بعد ثلاثة أشهر.. القدر يجمعهما من جديد
حاولت فريدة خلال الأشهر التالية إعادة ترتيب حياتها والاهتمام بنفسها. وكان لديها سبب صحي جعلها تفكر في إجراء عملية تصغير الثدي، إذ كانت تعاني من آلام مستمرة في الظهر والرقبة بسبب حجمه، وأصبحت بعض الأنشطة اليومية والتمارين الرياضية مرهقة بالنسبة إليها.
بعد تفكير طويل، قررت استشارة طبيب متخصص لتقييم حالتها ومعرفة الخيارات المناسبة لها.
اختارت مستشفى كبيرة في القاهرة، ظنًا منها أن ابتعادها عن الأماكن التي اعتاد زياد العمل فيها سيجنبها رؤيته مرة أخرى.
لكنها لم تكن تعرف أن المستشفى عيّنته حديثًا رئيسًا لقسم جراحة التجميل.
وهكذا، وجدت نفسها تجلس أمام الرجل الذي حاولت نسيانه، مضطرة إلى مناقشة تفاصيل طبية خاصة معه، بينما يحاول هو الحفاظ على مظهر الطبيب المحترف.
شرح لها زياد أنها تحتاج أولًا إلى إجراء الفحوصات والأشعة اللازمة، وبعد ظهور النتائج يمكن تقييم مدى ملاءمة العملية لحالتها، ومناقشة فوائدها ومخاطرها ومرحلة التعافي.
سألته فريدة إن كانت العملية مؤلمة، فأجابها بهدوء عن التخدير وفترة التعافي والألم المحتمل بعد الجراحة.
كان يتحدث معها بجدية مهنية شديدة، دون أن يسمح لماضيهما بالتدخل في الحديث.
وهذا ما زاد شعورها بالضيق.
اهتمام لم تحصل عليه وهي زوجته
في أثناء الكشف، دخلت إلى العيادة شابة جاءت لاستلام نتائج فحوصاتها.
تغيرت نبرة زياد وهو يتحدث إليها، وابتسم مطمئنًا إياها إلى أن نتائجها جيدة وأن تعافيها يسير بصورة مطمئنة.
شكرته الشابة، وسألته عن إمكانية التواصل معه إذا احتاجت إلى الاستفسار عن شيء، فشرح لها طريقة المتابعة الطبية المتاحة في المستشفى.
راقبت فريدة الموقف في صمت.
لم يكن ما رأته دليلًا على أي شيء يتجاوز تعامل الطبيب مع مريضته، لكنها لم تستطع منع نفسها من مقارنة هذا الهدوء والاهتمام بما افتقدته طوال زواجها.
تساءلت في داخلها: لماذا بدا الاهتمام بهذه السهولة مع الآخرين، بينما كانت هي تنتظر مكالمة واحدة أو كلمة طيبة من زوجها؟
هل كان زياد عاجزًا عن التعبير عن مشاعره فعلًا، أم أنه لم يمنح علاقتهما ما يكفي من الوقت والاهتمام؟
لم تجد إجابة.
بعد خروج المريضة، أعطاها زياد طلبات الفحوصات، وطلب منها حجز موعد جديد بعد ظهور النتائج.
لكن فريدة شعرت بأنها لم تعد تحتمل البقاء أمامه أكثر من ذلك.
كذبة قالتها لتخفي انكسارها
نهضت فريدة بسرعة، ثم أمسكت برسغ زياد قبل أن يغلق ملفها.
نظر إليها باستغراب، فقالت:
«في الحقيقة، أنا ماجتش هنا عشان أعمل العملية.»
سألها:
«أمال إنتِ جاية ليه؟»
لم تكن فريدة تعرف ماذا تقول. كان بإمكانها أن تغادر بهدوء، وتنهي هذا اللقاء الذي أعاد إليها ذكريات حاولت تجاوزها.
لكن كبرياءها دفعها إلى اختراع كذبة لم تستعد لها مسبقًا.
قالت بثقة مصطنعة:
«أنا جاية أعزمك على فرحي. الشهر الجاي هتجوز تاني.»
لم يكن هناك رجل آخر في حياتها، ولم تكن قد بدأت علاقة جديدة بعد الطلاق. لكنها أرادت أن تعرف إن كان خبر زواجها سيحرك شيئًا في قلب زياد، ولو للحظة واحدة.
توقف قلمه عن الكتابة.
وللمرة الأولى منذ بداية اللقاء، لاحظت فريدة تغيرًا في نظرته، وكأن الخبر فاجأه رغم محاولته إخفاء ذلك.
سألها:
«بالسرعة دي؟»
ابتسمت بسخرية، وقالت:
«أيوه، بالسرعة دي. أصل فيه رجالة مش محتاجة سنتين عشان تتعلم تحب واحدة.»
ساد الصمت بينهما.
خلع زياد نظارته ببطء، ثم قال:
«فهمت.»
أغضبتها إجابته أكثر. كانت تتمنى أن يعترض، أو يسألها عن الرجل الذي ستتزوجه، أو يظهر أي علامة على أنه ما زال يهتم لأمرها.
لكن زياد وقف، ونظر إليها بهدوء، ثم قال:
«ألف مبروك يا فريدة. أتمنى المرة دي تكوني سعيدة.»
شعرت فريدة بأن الكلمات أصابتها في مكان عميق داخلها. حاولت أن تتمالك نفسها، ثم اتجهت إلى الباب حتى لا يرى دموعها.
كانت تريد الخروج من العيادة، وإنهاء اللقاء قبل أن ينكشف ضعفها أمامه.
لكن صوته أوقفها.
«استني يا فريدة.»
تجمدت يدها على مقبض الباب، ثم التفتت إليه، محاولة إخفاء ارتباكها بابتسامة ساخرة.
قال زياد بجدية:
«قبل ما تمشي، فيه سؤال لازم أسألهولك.»
ردت بتحدٍّ:
«خير؟ تكونش ندمت إنك سبتني أمشي؟»
لم يجب عن سؤالها، بل نظر إلى رقبتها، حيث خرجت سلسلة رقيقة من تحت ملابسها أثناء حركتها.
كانت تتدلى منها دبلة زواج صغيرة.
الدبلة التي كشفت ما أخفته فريدة
كانت تلك الدبلة هي نفسها التي ارتدتها فريدة يوم زفافها من زياد.
بعد الطلاق، حاولت مرات كثيرة التخلص منها، أو وضعها في درج بعيد حتى لا تضطر إلى رؤيتها كل يوم. لكنها في كل مرة كانت تعيدها إلى السلسلة وتضعها بالقرب من قلبها.
لم تكن تعرف إن كان احتفاظها بها نابعًا من استمرار حبها لزياد، أم من عجزها عن تقبل أن عامين من حياتها انتهيا بهذه الطريقة.
لكنها لم تستطع التخلي عنها.
وعندما لمح زياد الدبلة، تغيرت ملامحه بصورة واضحة. اختفت نبرة الهدوء التي لازمته طوال اللقاء، وبقي ينظر إليها وكأنه يحاول فهم شيء لم يكن يتوقع رؤيته.
ساد الصمت لثوانٍ طويلة.
ثم نطق اسمها بصوت مختلف:
«فريدة...»
رفعت عينيها إليه، وشعرت بأن قلبها يخفق بسرعة.
نظر زياد مرة أخرى إلى الدبلة، ثم سألها سؤالًا لم تكن مستعدة للإجابة عنه:
«فريدة... لو إنتِ فعلًا هتتجوزي راجل تاني الشهر الجاي، ليه لسه محتفظة بدبلة جوازنا، ولابساها جنب قلبك؟»
توقفت فريدة عن الكلام.
للمرة الأولى منذ بداية اللقاء، لم تجد ردًا ساخرًا تختبئ خلفه، ولم تستطع أن تتظاهر بأن الأمر لا يعنيها.
فهل ستعترف بالحقيقة، أم ستواصل التمسك بكذبتها حتى النهاية؟
يتبع في الجزء الثاني...
تابع جديد Nada
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق