في هذا المقال

يضرب هذا المثل الشعبي الشهير «التاجر لما يفلس يدور في دفاتره القديمة» لكل من ضاق به الحال وقلت حيلته، فرجع ينقب في الماضي عن أمجاد غابرة أو خيوط أمل واهية كان يستهين بها وقت الرخاء، ليؤكد أن العقل اللبيب هو من يستثمر حاضره ولا ينتظر حتى تُغلق أمامه الأبواب.
١. سنوات الزهو وأيام الرخاء
في قلب السوق الكبير، كان يتصدر دكان "المرسي" تجار القماش والأقمشة الفاخرة. عاش المرسي سنوات طوالاً في عز وثراء، تتدفق عليه الأرباح من كل حدب وصوب. كان مجلسه لا يخلو من الزبائن والتجار، يحظى بالاحترام والوجاهة، ويُنفق أمواله بسخاء ودون حساب للمستقبل أو تدبير لما قد تحمله الأيام.
٢. الاستهانة بالنصيحة والغفلة عن غد
كان صديقه الحكيم "الحاج صالح" ينصحه دوماً ببناء احتياطي للزمن والتفكير في إدارة أصوله وتحديث تجارته لتواكب تغيرات السوق، لكن المرسي كان يلوح بيده مستهيناً ويرد بصلف: «السوق ملكي، والمال كثير، ولا يدوم إلا العز!». استمر المرسي في إهمال تنظيم أعماله والدخول في صفقات غير محسوبة العواقب.
٣. تقلبات السوق وبداية الانكسار
بدأت الأحوال تتغير تدريجياً؛ دخلت السوق بضائع جديدة بأسعار منافسة، وقل الإقبال على بضاعة المرسي الكاسدة. وبدلاً من أن يعيد ترتيب أوراقه ويطور عمله، واصل الإنفاق غير المبرر ودخل في ديون متراكمة لتمويل صفقات خاسرة، حتى أفاق يوماً على حقيقة مرّة: لقد نفد المال، وإغلاق الدكان بات أمراً حتمياً.
٤. العزلة والتفتيش في أنقاض الماضي
بعد أن أُغلق الدكان وشخصت العيون عنه، جلس المرسي في بيته وحيداً يلفه السكون والهم. وفي لحظة يأس، تذكر صندوقاً خشبياً قديماً يعلوه التراب في علية المنزل، يحتوي على سجلات ودفاتر ديون قديمة تعود لعقود مضت. سارع بفتح الصندوق وصار يقلب أوراقه الصفراء يميناً وشمالاً، يبحث عن اسم شخص قد يكون مديناً له بدرهم، أو صفقة قديمة لم يستوفِ حقها.
٥. سراب السجلات الصفراء
قضى المرسي أياماً ينقب في تلك السجلات المنسية، فجلس يراجع أسماء أشخاص مات بعضهم وانتقل آخرون إلى بلاد بعيدة، بينما طوى الزمن ديوناً أخرى ولم تعد ذات قيمة. استهلك طاقته ووقت طويلاً في تتبع خيوط وهمية لا تسمن ولا تغني من جوع، وظل غارقاً في أوهام الأوراق القديمة بينما الواقع يتطلب منه حركة وسعياً جديدين.
٦. "التاجر لما يفلس يدور في دفاتره القديمة"
زار الحاج صالح صديقه المرسي ورآه غارقاً بين الدفاتر المتهالكة والغبار يغطي وجهه. جلس بجواره وقال له بأسى وحكمة: «يا مرسي، إن ما تفعله الآن هو العجز بعينه، وكما يقال في مثلنا الشعبي: التاجر لما يفلس يدور في دفاتره القديمة. البحث في الماضي لن يعيد ما أضعته، ولن ينقذك دين ميت من حقيقة اليوم».
٧. بداية جديدة والعمل بواقعية
أدرك المرسي صدق كلام صديقه، فنفض عن يديه غبار السجلات القديمة وأغلق الصندوق إلى الأبد. قرر أن يبدأ من جديد بقلب شجاع وعقل متواضع، فعمل في تجارة بسيطة تناسب إمكانياته المتاحة معتمداً على خبرته الحقيقية والسعي الفعلي، ليتعلم الدرس الأعظم: إن الأمل يكمن في العمل اليوم، لا في التنقيب عن أوهام الأمس.
تابع جديد مصطفى ابراهيم
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق