أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
الروايات

ما يحسد المال إلا أصحابه

​في إحدى القرى الخضراء الممتدة على أطراف الجبل، عاش الحاج "منصور"، رجل ناهز الستين من عمره، يملك أرضاً واسعة تضم أجود أشجار الزيتون في الناحية. كانت تجارته رابحة

ما يحسد المال إلا أصحابه
image about ما يحسد المال إلا أصحابه

تجسد حكمة «ما يحسد المال إلا أصحابه» حقيقة نغفل عنها كثيراً، وهي أن شدة الإعجاب بالنعم والتباهي بها دون ذكر الله أو تقوى الحرمات، قد تكون السبيل الأول لزوالها بأيدينا قبل أيدي الآخرين.

​1. بستان الزيتون المبارك

​في إحدى القرى الخضراء الممتدة على أطراف الجبل، عاش الحاج "منصور"، رجل ناهز الستين من عمره، يملك أرضاً واسعة تضم أجود أشجار الزيتون في الناحية. كانت تجارته رابحة، وزيته يُضرب به المثل في الصفاء والجودة. غير أن منصور، رغم طيبة قلبه، كان كُثيراً ما يُطيل النظر في محاصيله وأمواله، يقلب الذهب والفضة في صندوقه الخشبي ويتردد على بستانه في الليل والنهار، يستعرض نعمته بكبرياء معجباً بما حققه بذراعه دون أن يقرن ذلك بذكر الله أو الخوف من زواله.

​2. العادة السريّة والافتخار العقيم

​لم يكن منصور يكتفي بالتأمل الصامت، بل كان يجمع العمال وأبناء القرية عند كل حصاد، يسكب الزيت الصافي أمام أعينهم ويتباهى بكثرته قائلاً: «انظروا كيف تنمو هذه الأشجار! لا توجد أرض تفوق أرضي بركة، ولا يوجد ثمر يُضاهي ثمري!». وكان المقربون منه يهمسون له بالدعاء والتبريك، محذرين إياه من كثرة التباهي والإعجاب الشديد بما يملك، لكنه كان يعتقد أن نعمته منيعة ولا تدانيها عين حاسد، غافلاً عن أن شدة إعجابه بنادرتها هي أشد أنواع الإعجاب.

​3. ليلة الخزان الكبير

​في موسم الحصاد الأخير، استطاع منصور جمع كمية قياسية من الزيت. وقرر أن يسكب المحصول كله في خزان صلب ضخم شيده بنفسه وسط البستان ليحتفظ به لحين ارتفاع الأسعار. وفي ليلة هادئة، وقف منصور وحده أمام الخزان، مسلطاً ضوء السراج على السائل الذهبي وهو يترقرق، وظل يتأمله بسعادة عارمة ويلمسه بيديه، مغموراً بفرحة جارفة وإعجاب بلا حدود بماله، دون أن ينبس بكلمة تدل على الشكر أو الحفظ.

​4. الشرارة من يد القائم عليها

​بينما كان منصور مستغرقاً في تأمل ماله وإعادة ترتيب السرج والشموع حول الخزان ليرى لمعان الزيت بشكل أفضل، انزلقت إحدى الشموع من يده المرتجفة من شدة الزهو. سقطت الشعلة الصغيرة على حافة الخزان التي كانت مبللة بالزيت. في لحظات معدودة، امتدت النار كالبرق، وتأججت في السائل الذهبي الذي ملأ المكان دخاناً ولهباً. حاول منصور إخمادها بعباءته، لكن شدة اندفاع الزيت جعلت الحريق يلتهم كل شيء في ثوانٍ معدودة.

​5. رمادٌ في مهب الريح

​تعالت صيحات منصور واستغاثاته، فهرع أهل القرية بالدلاء والرمال، لكن الحريق كان قد أتى على الخزان بأكمله وامتد ليطال أشجار الزيتون القريبة. خسر منصور في ليلة واحدة محصول سنين طوال، وجلس على الأرض يلتحف الذهول والأسى، ينظر إلى الرماد المتصاعد من المكان الذي كان منذ ساعات قليلة مجسداً لثرائه ونعمته.

​6. حقيقة المثل وتجلي العبرة

​اقترب منه رجل مسن من حكماء القرية، وضع يده على كتفه وقال برفق: «يا أبا منصور، لا تحزن على ما فات، ولكن اتعظ مما حدث.. لقد أطلقت على مالك عين الإعجاب والتفاخر حتى نسيت شكره وحفظه، وما يحسد المال إلا أصحابه حين يشغلهم الزهو به عن صيانته وذكر من وهبه». استرجع منصور شريط أفعاله وتأمله المفرط في ثروته، فتيقن أن بذور الزوال لم تكن بعين غريبة، بل بيده التي أفرطت في الإعجاب والتباهي.

​7. بداية جديدة بيقين خالٍ من الرياء

​مرت الأيام، وتعلم منصور الدرس الأقسى في حياته. أعاد استصلاح أرضه بجهد متواضع وقلب صابر، لكنه هذه المرة استبدل التباهي بالحمد، والكبرياء بالصدقة. كان كلما جاد عليه الشجر بثمرة، قال: «ما شاء الله، لا قوة إلا بالله». وعلم أن حفظ النعمة يكمن في شكرها وكتمان التفاخر بها، متذكراً دائماً أن المرء قد يضر ماله بنفسه قبل أن يطاله ضرر الآخرين.

تابع جديد مصطفى ابراهيم

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق