أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
الروايات

عسى أن يكون خيرًا

ليس كل ما نكرهه شرًّا، فقد يخفي القدر وراء المصائب خيرًا عظيمًا لا نراه، وفي قصة هذا الفلاح البسيط تتجلّى حكمة الصبر واليقين بقدر الله

حسنحسنالكاتب 3 د للقراءة 0.00 المراجعات
عسى أن يكون خيرًا

الفلاح والحكيمimage about عسى أن يكون خيرًا

في قرية صغيرة بين الجبال، كان يعيش فلاح بسيط لا يملك من الدنيا سوى ثورٍ واحد يحرث به أرضه ويكسب قوت يومه. وفي صباحٍ بارد، خرج إلى الحقل كعادته، فوجد ثوره ممددًا على الأرض بلا حراك، وقد فارق الحياة. وقف الرجل مذهولًا لا يصدّق عينيه، وشعر أن الأرض تضيق به، فليس في جيبه مال يشتري به غيره. وجلس بجانبه طويلًا، يمسح عنه التراب، كأنه يودّع رفيقًا قديمًا شاركه الشقاء سنوات.

ركض الفلاح باكيًا إلى شيخ القرية العجوز، المعروف بحكمته وهدوئه، وقال له: «لقد حلّت بي مصيبة يا حكيم! مات ثوري الوحيد، فهل هناك ما هو أسوأ من هذا؟». نظر إليه الشيخ بسكينةٍ عميقة وقال: «ربما يكون كذلك، وربما لا، لعلّه خير». خرج الفلاح غاضبًا يهمس لنفسه بأن العجوز قد جُنّ، وأنه لا يرى كارثة موت مصدر الرزق. وبقي الشيخ واقفًا يتبعه ببصره، مبتسمًا كمن يعرف ما لا يعرفه غيره.

وفي مساء اليوم التالي، بينما كان الفلاح جالسًا في فنائه حزينًا، اقترب من مزرعته حصانٌ بريّ قويّ يبحث عن الماء والعشب. أغلق الرجل الباب خلفه بسرعة، فصار الحصان ملكًا له دون أن يدفع قرشًا. هرع إلى الحكيم فرحًا وقال: «أصبتَ يا شيخ! لقد رزقني الله حصانًا أقوى من الثور، أليس هذا أفضل ما حدث لي؟». فأجابه الشيخ بالهدوء نفسه: «ربما، وربما لا، لعلّه خير». ونام ليلته مطمئنًا لأول مرة منذ أيام.

بعد أيام، أراد ابن الفلاح الوحيد أن يروّض الحصان ليحرث به، فامتطى ظهره بحماس الشباب. لكن الحصان جمح بقوة وألقاه أرضًا، فانكسرت ساقه كسرًا بليغًا وألزمه الفراش. عاد الأب يبكي إلى الحكيم: «كان الحصان لعنة! أُصيب ابني وسندي الوحيد، أليس هذا أسوأ ما يكون؟». ابتسم الشيخ بحنوّ وقال: «ربما نعم، وربما لا». ولم يعرف الأب ليلتها طعم النوم، وهو يتأمل وجه ابنه المتألم.

وبعد أسبوعٍ واحد، دخلت جيوش الملك القرية، تجنّد الشباب الأصحاء قسرًا لحربٍ طاحنة لا ترحم. أخذ الجنود شباب القرية جميعًا، وبكت الأمهات عند الأبواب. وحين وصلوا إلى بيت الفلاح ورأوا الابن ممددًا بساقه المكسورة، تركوه ومضوا. جلس الأب إلى جانب ابنه صامتًا، وقلبه يخفق بين الخوف والدهشة. وتساءل في سرّه: أهذه هي الحكمة التي كان العجوز يقصدها؟

ومرّت الشهور، فعاد بعض الشباب في نعوشهم، ولم يعد آخرون أبدًا، وبقي ابن الفلاح حيًّا يتعافى بجانب أبيه. فهم الفلاح أخيرًا حكمة العجوز، وسجد شاكرًا لله، ثم ذهب إليه وقد امتلأ قلبه يقينًا، وقال بصوتٍ خاشع: «صدقتَ يا شيخ، فما نراه شرًّا قد يكون خيرًا». وردّد وهو يبتسم: «وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم». وعاش بعدها مطمئنًا، يعلّم أبناءه أن الأيام تخفي الخير في ثناياها

تابع جديد حسن

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق