أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
الروايات

ابتسامة تخفي وجعًا

بعض الأطفال يضلّون في السوق ساعات. وبعضهم يتيهون في الحياة سنوات.غير أنّ قلّةً فقط تعثر في النهاية على الدرب الذي يعيدها إلى البيت

حسنحسنالكاتب 3 د للقراءة 0.00 المراجعات
ابتسامة تخفي وجعًا

المدينة والطفلimage about  ابتسامة تخفي وجعًا

تستيقظ المدينة في صباح ربيعي هادئ، يلفّها ضباب رقيق ينساب بين التلال ويهبط نحو المروج الخضراء عند أطراف البيوت. تمتزج رائحة التراب المبتلّ برائحة الخبز الطالع من الأفران، فتصير الأزقة الضيقة دافئة على نحو يُحسّ ولا يُرى، وكأن للدفء يدًا خفية تربّت على الجدران والقلوب.

في أحد تلك الصباحات كان الطفل آدم يمشي قابضًا على يد أمّه وسط سوق يموج بالحياة؛ نداءات الباعة تتعاقب كأمواج صغيرة، وأقدام المارّة تكتب على الأرض سطورًا سريعة، وأصوات الأطفال تتداخل حتى تصير نهرًا لا ينقطع. وكان آدم، على صغره، ينظر إلى كل شيء بدهشة، فيتأمل العصافير على الأسلاك، والأقمشة الملوّنة التي ترفرف كالأعلام، وشيخًا يبيع الفاكهة ويضحك ضحكة عميقة رغم ضيق الرزق.

انشغلت الأم بالمساومة مع أحد الباعة، فاستوقفت آدمَ لعبة خشبية معلّقة في دكان قريب: حصان صغير يتأرجح بخيط رفيع ويلمع خشبه تحت الضوء. خطا نحوه خطوة بعد خطوة دون أن يشعر بابتعاده، لأن الفضول لا يعدّ المسافات. وحين التفت فجأة لم يجد أمّه. صمت العالم في رأسه، وصارت الأصوات كتلة غامضة، وراح يدور حول نفسه بين وجوه غريبة وأقدام كثيرة، يبحث عن علامة مألوفة، وقلبه يخفق خوفًا حتى كاد يبكي.

فجأة شقّ الزحام صوت مألوف ينادي: «آدم!». استدار كمن يُنتشل من حافة هاوية، فرأى أمّه تتقدّم نحوه والقلق والارتياح يختلطان في عينيها. ركض إلى حضنها فضمّته طويلًا، وكأنها تقول له بلا كلام إنه لم يضع. ثم عاتبته برفق لأنه ابتعد، فخفض رأسه خجلًا، وشدّت على يده بإحكام يشبه تثبيت قلبٍ في مكانه، ومضيا في السوق معًا.

بعد دقائق توقّف آدم عند شيخ متجوّل يجلس وحده تحت شمس الصباح، وقد بدت على وجهه آثار تعب قديم. أخرج الطفل قطعة حلوى من جيبه ومدّها إليه بلا تردّد، فاستغرب الشيخ لحظة ثم ابتسم ابتسامة صغيرة دافئة تحمل شكرًا يخجل من الجهر. ضحكت الأم وهي تراقبه، فهذا ليس جديدًا عليه؛ إذ كان آدم يؤمن بطريقته أن الأشياء الجميلة لا تكتمل إن بقيت لواحد وحده، وأن الحلاوة تصير أحلى حين تُقسَم.

عاد الاثنان مع المساء إلى بيت هادئ، هدوء البيوت التي اعتادت غياب رجلها، فالأب كثير السفر يأتي محمّلًا بالقصص والهدايا ثم يرحل أسابيع أو أشهرًا. وفي تلك الليلة جلس آدم قرب أمّه، فتوقفت فجأة ووضعت يدها على جانبها وأغمضت عينيها، ومرّ على وجهها ألم سريع كغيمة عابرة. همّ بالسؤال لكنها سبقته بابتسامة تخفي أكثر مما تطمئن، فهدأ قلبه هدوءًا مؤقتًا ونام مبتسمًا. أما المدينة خارج النافذة فغرقت في سكونها، بينما كانت الأيام القادمة تُعدّ له ما يفوق خياله. وهو لا يدري أن تلك الابتسامة الخفيفة كانت تخفي وجعًا سيغيّر حياته قريبًا ويقلب أيامه كلّها.

تابع جديد حسن

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق